مقالات

عِنْدَمَا أَصْبَحَ النَّاسُ يَتَبَاهَوْنَ بِالأَقْنِعَةِ!

عِنْدَمَا أَصْبَحَ النَّاسُ يَتَبَاهَوْنَ بِالأَقْنِعَةِ!

كتبت / دعاء شعبان

فِي زَمَنٍ مَضَى، كَانَ الإِنْسَانُ يُقَدَّرُ بِأَخْلَاقِهِ، وَيُعْرَفُ بِمَوَاقِفِهِ، وَيُحْتَرَمُ لِصِدْقِهِ. أَمَّا اليَوْمَ، فَقَدْ أَصْبَحَ الكَثِيرُونَ يُتْقِنُونَ فَنَّ التَّمْثِيلِ أَكْثَرَ مِنْ إِتْقَانِهِمْ لِفَنِّ الحَيَاةِ نَفْسِهَا.

 

صِرْنَا نَعِيشُ فِي مُجْتَمَعٍ يَرْفَعُ شِعَارَ: “كُنْ كَمَا يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَرَوْكَ، لَا كَمَا أَنْتَ.” فَأَصْبَحَ البَعْضُ يَرْتَدِي قِنَاعَ اللُّطْفِ وَهُوَ يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ الحِقْدَ، وَيَتَحَدَّثُ عَنِ الوَفَاءِ وَهُوَ أَوَّلُ الهَارِبِينَ وَقْتَ الشِّدَّةِ، وَيَنْشُرُ الحِكَمَ وَالمَوَاعِظَ بَيْنَمَا أَفْعَالُهُ تُخَالِفُ كُلَّ مَا يَكْتُبُهُ.

 

وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ سَاهَمَتْ فِي صِنَاعَةِ هَذَا العَالَمِ المُزَيَّفِ، حَيْثُ أَصْبَحَ النَّجَاحُ صُورَةً، وَالسَّعَادَةُ مَنْشُورًا، وَالحُبُّ تَعْلِيقًا، وَالإِنْسَانُ مُجَرَّدَ نُسْخَةٍ مُعَدَّلَةٍ بِالفِلَاتِرِ. تَرَى أَشْخَاصًا يَبْدُونَ فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ، بَيْنَمَا يَعِيشُونَ فِي الوَاقِعِ أَزَمَاتٍ نَفْسِيَّةً لَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ. وَتَرَى مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنِ المِثَالِيَّةِ وَهُوَ غَارِقٌ فِي التَّنَاقُضَاتِ.

 

المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي اسْتِخْدَامِ التِّكْنُولُوجِيَا، بَلْ فِي تَحَوُّلِ الكَذِبِ الِاجْتِمَاعِيِّ إِلَى أُسْلُوبِ حَيَاةٍ. أَصْبَحَ كَثِيرُونَ يَخَافُونَ مِنْ إِظْهَارِ حَقِيقَتِهِمْ، لِأَنَّ المُجْتَمَعَ صَارَ يُحَاسِبُ الصَّادِقَ أَكْثَرَ مِمَّا يُحَاسِبُ المُنَافِقَ.

 

الأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الأَجْيَالَ الجَدِيدَةَ بَدَأَتْ تَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الأَقْنِعَةَ هِيَ الحَقِيقَةُ، وَأَنَّ التَّظَاهُرَ أَهَمُّ مِنَ الجَوْهَرِ، وَأَنَّ عَدَدَ المُتَابِعِينَ أَهَمُّ مِنْ عَدَدِ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُحِبُّونَكَ بِصِدْقٍ.

 

إِنَّ المُجْتَمَعَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الوُجُوهِ الجَمِيلَةِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى قُلُوبٍ صَادِقَةٍ. لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَشْخَاصٍ يُتْقِنُونَ التَّمْثِيلَ، بَلْ إِلَى أَشْخَاصٍ يَمْلِكُونَ الشَّجَاعَةَ لِيَكُونُوا عَلَى طَبِيعَتِهِمْ.

 

فَمَا قِيمَةُ أَنْ يُحِبَّكَ الجَمِيعُ لِشَخْصِيَّةٍ مُزَيَّفَةٍ؟ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَعْرِفَكَ القَلِيلُونَ عَلَى حَقِيقَتِكَ وَيُحِبُّونَكَ كَمَا أَنْتَ.

 

رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ أَنْ نَتَوَقَّفَ عَنْ تَجْمِيلِ الصُّورَةِ، وَنَبْدَأَ فِي إِصْلَاحِ الوَاقِعِ. فَالأَقْنِعَةُ مَهْمَا طَالَ عُمْرُهَا، تَسْقُطُ يَوْمًا، أَمَّا الصِّدْقُ فَيَبْقَى مَهْمَا تَغَيَّرَتِ الظُّرُوفُ.

السُّؤَالُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَسْأَلَهُ لِأَنْفُسِنَا:

هَلْ نَحْنُ نَعِيشُ حَيَاتَنَا كَمَا نُرِيدُ حَقًّا، أَمْ كَمَا يُرِيدُ الآخَرُونَ أَنْ يَرَوْهَا؟

زر الذهاب إلى الأعلى