سياسة و اقتصاد

ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية

الوسية في زمن الملكية... حكاية بين الماضي والحاضر

ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية

الوسية في زمن الملكية… حكاية بين الماضي والحاضر

 

بقلم/ حسين عبيد

صحفي وباحث قانوني واقتصادي

هذه ليست مجرد كلمة تُقال بين سطور التاريخ، وليست حكاية من حكايات الريف المصري القديم؛ إنها معاناة وأنين فلاح عاش في زمن الملكية، وعمل في الأرض وزرعها وحصد خيراتها، بينما لم يكن نصيبه من عائد هذا العمل يتناسب دائمًا مع ما يبذله من جهد.

كانت «الوسية» في جانب من صورتها التاريخية رمزًا لنظام اقتصادي واجتماعي تركزت فيه ملكية الأرض والثروة في أيدي كبار الملاك، بينما ظل من يزرع وينتج في موقع أضعف، يعمل في أرض ليست ملكًا له، وقد يحصل على أجر قليل أو مقابل لا يعكس قيمة ما يقدمه من عمل.

وهنا لا نتحدث فقط عن الأرض، وإنما عن فلسفة اقتصادية كاملة: من يملك رأس المال؟ ومن يعمل؟ ومن يحصل على النصيب الأكبر من الناتج؟

لقد كانت «الوسية» نموذجًا واضحًا لسيطرة رأس المال على أحد أهم عناصر الإنتاج، وهي الأرض، دون أن يحصل العامل أو الفلاح بالضرورة على حقوق تتناسب مع دوره في عملية الإنتاج.

ومن هنا يأتي السؤال الأكبر:

هل المشكلة في اسم النظام الاقتصادي، أم في قدرته الحقيقية على تحقيق العدالة ومحاربة الفقر؟

فالرأسمالية ليست مجرد كلمة، والاشتراكية ليست مجرد شعار. كل نظام اقتصادي يجب أن يُقاس في النهاية بقدرته على تحقيق حياة أفضل للإنسان، وتوفير فرص العمل، وتحقيق العدالة في توزيع ثمار التنمية، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.

فإذا كان النظام، أيًّا كان اسمه، لا يستطيع أن يصل إلى المواطن الفقير، وأن يمنحه فرصة حقيقية للعمل والإنتاج والحياة الكريمة، فإنه يفقد جوهر الغاية التي من أجلها وُجد الاقتصاد.

فالاقتصاد ليس أرقامًا في الموازنات، ولا مؤشرات للنمو فقط؛ الاقتصاد في النهاية هو إنسان.

قد ترتفع معدلات النمو، وقد تتوسع المشروعات، وقد تتزايد الاستثمارات، ولكن يبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب:

ماذا وصل من كل ذلك إلى المواطن البسيط؟

وهنا نصل إلى الفرق بين اقتصاد يحقق النمو، واقتصاد يحقق التنمية.

فالنمو قد يعني زيادة حجم الناتج، أما التنمية الحقيقية فهي أن يشعر المواطن بأثر هذا النمو في حياته؛ في دخله، وفي عمله، وفي قدرته على توفير احتياجات أسرته، وفي التعليم والصحة والسكن والخدمات.

من الوسية إلى الحاضر

لقد تغير الزمن، وتغيرت أدوات الإنتاج، وتغيرت طبيعة الاقتصاد المصري، ولم تعد «الوسية» هي الصورة التي تحكم العلاقة بين الأرض والفلاح.

لكن السؤال القديم ما زال قادرًا على العودة في صورة جديدة:

هل يحصل من ينتج على نصيب عادل من ثمار إنتاجه؟

قد لا تكون المشكلة اليوم هي نفسها مشكلة الفلاح في زمن الملكية، لكنها قد تظهر في صور أخرى؛ في ارتفاع تكلفة الإنتاج، أو ضعف العائد، أو صعوبة التسويق، أو عدم قدرة بعض الفئات على الوصول إلى فرص اقتصادية حقيقية.

ولهذا فإن محاربة الفقر لا تكون فقط بتقديم المساعدات، مهما كانت أهميتها، وإنما ببناء اقتصاد يجعل المواطن منتجًا وقادرًا على الاعتماد على نفسه.

مصر تحتاج إلى نموذج اقتصادي يصل إلى المواطن الفقير، لا أن يظل المواطن هو الحلقة الأخيرة التي تنتظر ما يتبقى من ثمار النمو.

نحتاج إلى اقتصاد يربط الاستثمار بالإنتاج، والإنتاج بالتشغيل، والتشغيل بتحسين مستوى المعيشة.

نحتاج إلى أن يكون الفلاح شريكًا في القيمة التي ينتجها، والعامل شريكًا في ثمار التنمية، والشاب قادرًا على الحصول على فرصة عمل حقيقية، وصاحب المشروع الصغير قادرًا على النمو بدلًا من أن يظل محاصرًا بالتكاليف والإجراءات.

الاقتصاد الذي نريده

ليس المطلوب أن نختار بين رأسمالية واشتراكية باعتبارهما مجرد نموذجين متصارعين، وإنما أن نبحث عن النموذج الذي يناسب مصر والمصريين.

نموذج يستفيد من قوة السوق والاستثمار والمنافسة، لكنه لا يترك الفقير وحيدًا أمام قسوة السوق.

نموذج يشجع رأس المال، لكنه في الوقت نفسه يحمي العمل.

نموذج يحقق الربح، لكنه لا ينسى الإنسان.

نموذج يجعل الإنتاج وسيلة لمحاربة الفقر، لا مجرد وسيلة لتراكم الثروة.

فالوسية انتهت كمرحلة تاريخية، لكن الدرس الذي تركته لم ينتهِ.

أن الثروة التي لا يشعر بثمارها من يعمل وينتج، تظل ثروة ناقصة مهما كبر حجمها.

ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الرأسمالية والاشتراكية، وإنما بين اقتصاد يضع الإنسان في قلب التنمية، واقتصاد يجعل الإنسان مجرد رقم في حسابات النمو.

ومصر اليوم تحتاج إلى اقتصاد لا يسأل فقط: كم أنتجنا؟

بل يسأل أيضًا:

من استفاد؟ ومن شارك؟ ومن خرج من دائرة الفقر؟

فحين تصل ثمار التنمية إلى أبعد قرية، وإلى يد الفلاح والعامل والشاب البسيط، يمكننا عندها أن نقول إن الاقتصاد لم يحقق النمو فقط…

بل حقق الغاية التي من أجلها وُجد: أن يجعل حياة الإنسان أفضل

زر الذهاب إلى الأعلى