صدى مصرمقالاتمنوعات

حينما لم تعد الحقيقة تؤلمك. بقلم :أ/ هبة شاهين

حينما لم تعد الحقيقة تؤلمك

 

بقلم :أ/ هبة شاهين -الإسكندرية

هناك معرفة لا تأتي إلينا لأننا طلبناها، بل لأن الحياة قررت أن تنزع الغطاء عن أشياء كنا نفضّل ألا نراها.

تأتي لحظة تكتشف فيها أن الصورة التي احتفظت بها عن بعض الأشخاص لم تكن كاملة،

وأن ما اعتبرته حبًا ربما كان احتياجًا، وما ظننته وفاءً ربما كان اعتيادًا، وأن بعض الكلمات الجميلة لم تكن بالضرورة تحمل خلفها النية نفسها التي منحتها أنت.

في البداية، يكون اكتشاف الحقيقة مؤلمًا.

ليس لأن الحقيقة قاسية دائمًا، وإنما لأن الإنسان لا يفقد الأشخاص حين يكتشف حقيقتهم فقط؛ أحيانًا يفقد الصورة التي صنعها عنهم في داخله.

وهذا الفقد تحديدًا هو الأصعب.

فجأة، تصبح التفاصيل الصغيرة واضحة.

تتذكر موقفًا مرّ عليك قديمًا ولم تفهم معناه، كلمة قلت عنها «ربما لم يقصد»، غيابًا اخترعت له الأعذار، واعتذارًا صدقته لأنك كنت تحتاج إلى تصديقه.

ثم تنظر إلى الماضي بعين مختلفة، فتكتشف أن بعض الأشياء لم تتغير الآن… أنت فقط أصبحت قادرًا على رؤيتها.

وهنا يدفع الوعي ثمنه.

لأنك عندما تعرف، يصبح من الصعب أن تعود إلى جهلك الأول.

يمكنك أن تسامح، لكنك لن تستطيع أن تمحو ما تعلمته.

يمكنك أن تحب، لكنك لن تمنح ثقتك بالطريقة نفسها.

يمكنك أن تبقى، لكنك ستعرف جيدًا متى يتحول البقاء من وفاء إلى استنزاف.

والأصعب من رؤية الآخرين، أن يأتي اليوم الذي ترى فيه نفسك بوضوح.

تكتشف كم مرة خذلت حدسك حتى لا تخسر شخصًا.

وكم مرة قبلت ما لا يناسبك خوفًا من الوحدة.

وكم مرة دافعت عن علاقة لم تكن تحتاج إلى دفاع، لأن الاعتراف بحقيقتها كان سيجبرك على الرحيل.

عندها لا يعود من السهل أن تقول: «الآخرون هم السبب».

فبعض ما يؤلمنا لم يصنعه الآخرون وحدهم، بل ساهمنا نحن في استمراره حين لم نضع حدودًا، أو حين خلطنا بين التسامح والتنازل عن أنفسنا.

لكن هنا يجب أن ننتبه إلى فخ خطير:

ليس كل ما تراه بعد الألم حقيقة، وليس كل شك دليلًا على الوعي.

فالإنسان المجروح قد يتحول بسهولة إلى شخص يراقب النوايا بدل الأفعال، ويفتش عن الخيانة خلف كل تغير، ويقرأ الرفض في كل صمت.

وهذا ليس وعيًا.

إنه خوف يحاول أن يحمي نفسه… فيبالغ في الحذر حتى يفقد القدرة على الاطمئنان.

أما الوعي الناضج، فهو شيء آخر.

أن ترى الإنسان كما هو، دون أن تضطر إلى تشويهه كي تبرر ابتعادك عنه.

أن تفهم سبب أذيته لك، دون أن تعتبر السبب عذرًا للأذى.

أن تسامح، دون أن تمنح الشخص الحق نفسه في تكرار الجرح.

أن تضع حدودًا دون قسوة، وأن ترحل دون انتقام، وأن تحفظ كرامتك دون أن تتحول إلى شخص ممتلئ بالمرارة.

ومع الوقت، ستكتشف أن بعض الأسئلة لا تستحق أن تستهلك عمرك.

لماذا تغير؟

لماذا لم يقدّر؟

لماذا اختار الرحيل؟

لماذا أعطى لغيري ما لم يعطني؟

أسئلة كثيرة قد تظل بلا إجابة، وحتى لو جاءت الإجابة، فلن تعيد الزمن إلى الوراء.

لذلك، ربما يكون أحد أوجه النضج أن تعرف متى تتوقف عن البحث عن تفسير، وتبدأ في صناعة معنى جديد لما حدث.

لا تحتاج إلى أن تعرف لماذا انتهت بعض العلاقات حتى تعرف أنها انتهت.

ولا تحتاج إلى أن تكره أحدًا حتى تبتعد عنه.

ولا تحتاج إلى إثبات أن الآخر سيئ حتى تعترف بأن وجوده لم يعد مناسبًا لك

هذه هي النقطة التي

يتحول فيها الوعي من عبء إلى حكمة.

¤أن تعرف الحقيقة… ولا تسمح لها بأن تفسد قلبك.

¤أن تتعلم من التجربة، لا أن تعيش أسيرًا لها.

¤أن تصبح أكثر انتباهًا، لا أكثر شكًا.

أكثر رحمة، لا أكثر ضعفًا.

أكثر قدرة على الاختيار، لا أكثر خوفًا من الخسارة.

فربما لم يكن الهدف من كل ما اكتشفته أن تصبح شخصًا لا يثق بأحد، بل أن تصبح شخصًا يعرف كيف يثق دون أن يفقد نفسه.

واخيرا ،

ليست الحكمة أن تعرف كل ما يختبئ خلف الناس، ولا أن تفهم كل سبب، ولا أن تحصل على إجابة لكل سؤال.

الحكمة أن تعرف ما يكفي لتعيش بسلام.

فبعض الحقائق تأتي لتوجعك في البداية…

ثم، بعد أن تنضج معها، تأتي لتُنقذك.

أقسي مراحل الوعي أن ترى الحقيقة بوضوح،

وأجملها أن تصل يومًا إلى مرحلة لا تعود فيها الحقيقة قادرة على سرقة سلامك.

 

زر الذهاب إلى الأعلى