مقالات
أخر الأخبار

حين أصبح للعالم الإسلامي قلبان نابضان

حين أصبح للعالم الإسلامي قلبان نابضان 

ليست الحضارات العظيمة تلك التي تقوم على مدينة واحدة.
فإذا سقطت المدينة، سقطت الحضارة معها.
بل الحضارات التي تبلغ ذروة نضجها هي التي تنجح في أن تصنع أكثر من مركز للإشعاع، وأكثر من منارة للعلم، وأكثر من قلب ينبض بالحياة.
وهكذا كان العالم الإسلامي في القرن الثاني والثالث للهجرة.
فبينما كانت بغداد ترتفع على ضفاف دجلة، وتجمع إليها العلماء من كل أفق، كانت مدينة أخرى، على بعد آلاف الكيلومترات، تشق طريقها بهدوء نحو المجد.
مدينة بدأت حكايتها بأميرٍ هارب.
ثم تحولت إلى واحدة من أعظم مدن الدنيا.
ولم يكن أحد يوم هرب عبد الرحمن الداخل من بطش العباسيين يتخيل أن الرجل الذي عبر الصحارى والأنهار مطاردًا، سيؤسس في أقصى الغرب الإسلامي دولةً ستقف يومًا جنبًا إلى جنب مع بغداد، لا في ميادين الحرب، بل في ميادين الحضارة.
وهكذا لم يعد للعالم الإسلامي قلب واحد.بل أصبح له قلبان.
قلب يخفق في المشرق.
وقلب ينبض في المغرب.
بغداد في المشرق، وقرطبة في المغرب
حين أصبح للحضارة الإسلامية قلبان نابضان
سلسلة التاريخ من وراء الستار

بقلم / محمد مصطفى كامل

في الوقت الذي كان فيه المأمون يحول بغداد إلى عاصمة للعلم والفكر، كانت الأندلس تعيش مرحلة مختلفة، لكنها لا تقل أهمية.
فقد نجح عبد الرحمن الداخل في تثبيت أركان الدولة الأموية، وأصبحت الإمارة أكثر استقرارًا بعد سنوات طويلة من الثورات والصراعات.
ولم يعد همّ حكام قرطبة مجرد البقاء في مواجهة العباسيين أو القضاء على التمردات الداخلية.
بل بدأوا يفكرون في بناء دولة تستطيع أن تنافس أعظم دول عصرها.
وكان ذلك التحول هو الفارق الحقيقي بين الدولة التي تنشغل بالحروب وحدها، والدولة التي تبدأ في صناعة الحضارة.
لقد أدرك العباسيون في بغداد، كما أدرك الأمويون في قرطبة، أن السيوف تستطيع أن تحمي الدولة.
لكنها لا تستطيع أن تصنع مجدها وحدها.
ولهذا، بدأ كل طرف يبني مشروعه الحضاري بطريقته.
في بغداد، اتجهت الأنظار إلى بيت الحكمة، وحركة الترجمة، والعلوم، والفلسفة، والفلك، والرياضيات.
أما في قرطبة، فقد بدأ الاهتمام ببناء مؤسسات الدولة، وتنظيم الإدارة، وتطوير الزراعة، وتوسيع العمران، وإقامة مجتمع مستقر يستطيع أن يحمل مشروعًا حضاريًا طويل الأمد.
ولم يكن بين العاصمتين جيش يتواجه في ساحة قتال.
لكن كان بينهما سباق من نوع آخر…
سباق على من يقدم نموذجًا أكثر ازدهارًا، وأكثر قدرة على جذب العلماء والتجار وأصحاب الخبرات.
وكان هذا، في كثير من جوانبه، من أعظم صور التنافس التي عرفها التاريخ الإسلامي.
لم تكن بغداد وقرطبة مدينتين متشابهتين.
ولم تحاولا أن تكونا كذلك.
فلكل منهما ظروفها، وتاريخها، ورسالتها، والطريق الذي سلكته حتى بلغت مكانتها.
لكن ما جمع بينهما كان أعظم مما فرّق بينهما.
فكلتاهما أدركت أن الدولة التي تريد البقاء لا يكفيها أن تنتصر في الحروب.
بل لا بد أن تنتصر في ميادين العلم والاقتصاد والإدارة والعمران.
وكانت بغداد ابنة المشرق.
مدينة قامت في قلب أقدم مراكز الحضارات الإنسانية، حيث التقت ميراث بابل، وفارس، والعراق القديم، ثم أضافت إليه روح الحضارة الإسلامية.
وكانت طرق التجارة القادمة من الصين والهند وآسيا الوسطى تمر بها، فتدخل إليها البضائع كما تدخل إليها الأفكار.
ولهذا، أصبحت بغداد مدينة متعددة الثقافات، تسمع في أسواقها لغات مختلفة، وتلتقي في مجالسها عقول جاءت من أقصى الأرض.
أما قرطبة.
فكانت ابنة الغرب.
تقف على أطراف أوروبا، وتطل على عالم مختلف في لغاته وثقافته وتاريخه.
وكان عليها أن تواجه تحديًا لم تعرفه بغداد.
فهي لم تكن عاصمة لإمبراطورية ورثت العالم الإسلامي كله، بل كانت دولة ناشئة، نشأت بعيدًا عن مركز الخلافة، وأحاطت بها ممالك نصرانية لا تكف عن مراقبتها، وقبائل وأعراق متعددة داخل الأندلس نفسها.
ولهذا، كان نجاح قرطبة أكثر صعوبة.
لأنها لم ترث الاستقرار.
بل صنعته.
ولم ترث القوة.
بل بنتها خطوة بعد خطوة.
ومع مرور السنوات، بدأت المدينتان تنموان في اتجاهين مختلفين، لكنهما يلتقيان عند الغاية نفسها.
ففي بغداد، كان الخليفة يجمع العلماء ليترجموا كتب اليونان وفارس والهند، ويضيفوا إليها، حتى أصبحت المدينة أعظم مركز للبحث العلمي في زمانها.
وفي قرطبة، كان الأمراء يشجعون الزراعة، ويشقون الترع، ويطورون الصناعات، ويبنون المساجد والقصور والأسواق، حتى تحولت المدينة إلى واحدة من أكثر مدن أوروبا تنظيمًا ورخاءً.
ولم يكن هذا الاختلاف تناقضًا…
بل كان تكاملًا.
فبينما قادت بغداد الثورة العلمية والفكرية في المشرق، كانت قرطبة تنقل الحضارة الإسلامية إلى أقصى الغرب، لتصبح الجسر الذي عبرت من خلاله علوم المسلمين إلى أوروبا بعد ذلك بقرون.
وهكذا، لم يعد العالم الإسلامي يعتمد على مدينة واحدة.
فإذا تعرض أحد جناحيه لاضطراب، بقي الجناح الآخر قادرًا على حمل راية الحضارة.
ولعل هذه كانت إحدى أعظم نقاط القوة في تلك المرحلة.
فحين كانت الفتن السياسية تهز بغداد أحيانًا، كانت قرطبة تواصل البناء.
وحين كانت الأندلس تواجه ضغوطًا على حدودها، كانت بغداد تمد العالم الإسلامي بفيض من العلماء والكتب والابتكارات.
وكان التجار، والعلماء، والرحالة، ينتقلون بين جناحي العالم الإسلامي، يحملون معهم البضائع، كما يحملون الأفكار، فتتشابك طرق التجارة مع طرق المعرفة، وتلتقي الأسواق بالمكتبات، ويصبح العلم سلعةً لا تقل قيمة عن الذهب.
ومن هنا، بدأت الحضارة الإسلامية تبلغ ذروة نضجها.
فلم تعد حضارة مدينة.
ولا حضارة إقليم.
بل حضارة أمة امتدت من ضفاف دجلة إلى ضفاف الوادي الكبير، ومن حدود الصين إلى سواحل المحيط الأطلسي.
غير أن التاريخ.
لا يمنح أمة ذروة المجد إلا ليختبر قدرتها على المحافظة عليه.
فبينما كانت بغداد تعيش عصرها الذهبي، وكانت قرطبة ترسخ أقدامها بثبات.
كانت عوامل جديدة تنمو في الخفاء.
عوامل لن تظهر آثارها دفعة واحدة.
لكنها، مع مرور الزمن، ستبدأ في تغيير موازين القوة داخل العالم الإسلامي.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة من رحلتنا.
مرحلة سيظل التاريخ يختلف في تفسيرها، لكنها كانت من أكثر المراحل تأثيرًا في مصير المشرق والمغرب معًا.
لكن الحضارات لا تسقط فجأة.
ولا تغيب شمسها في يومٍ واحد.
بل تبدأ رحلتها إلى التحول في اللحظة التي تبلغ فيها قمة مجدها.
ففي ذلك الزمن، كان العالم ينظر إلى بغداد وقرطبة باعتبارهما أعظم مدينتين عرفهما عصرهما.
في بغداد، كان الخليفة يجلس على عرش أقوى دولة في الشرق، وحوله العلماء والمترجمون والأطباء والفقهاء والفلكيون، حتى غدت المدينة أشبه بعقل العالم.
وفي قرطبة، كانت الدولة الأموية تمضي بثبات نحو الاستقرار، وتبني مؤسساتها، وتجمع بين قوة الجيش، وازدهار الزراعة، ونشاط التجارة، لتصبح مع مرور السنين جوهرة الغرب الإسلامي.
ولم يكن بين المدينتين تنافسٌ على السيادة العسكرية بقدر ما كان تنافسًا على الريادة الحضارية.
أيُّهما تبني جامعةً أعظم؟
وأيهما تجذب علماء أكثر؟
وأيهما تنشئ مكتبات أوسع؟
وأيهما تجعل من أسواقها ملتقىً لتجارة العالم؟
وكان هذا التنافس من أجمل صور الصراع في التاريخ.
صراعًا لا تُراق فيه الدماء.
بل تُكتب فيه الكتب.
ولا تُحرق فيه المدن.
بل تُضاء فيه المصابيح.
ولذلك، لم يكن ازدهار بغداد سببًا في ضعف قرطبة.
ولم يكن صعود قرطبة انتقاصًا من مكانة بغداد.
بل كانت كل مدينة تدفع الأخرى إلى مزيد من التقدم، حتى أصبحت الحضارة الإسلامية تمتلك أكثر من مركز للإبداع، وأكثر من منارة للعلم.
ومن هذه المدن، انتقلت علوم الطب، والفلك، والهندسة، والكيمياء، والرياضيات، والفلسفة إلى أمم أخرى، ولم تعد العربية لغة الدين والإدارة فحسب، بل أصبحت لغة العلم التي يكتب بها الباحثون، ويتعلم بها الطلاب، ويتبادل بها العلماء معارفهم.
ولم يكن هذا المجد ثمرة خليفة واحد، ولا عمل جيل واحد.
بل كان حصيلة جهود امتدت عبر عقود طويلة، شارك فيها الخلفاء، والعلماء، والتجار، والمهندسون، والمزارعون، والصناع، حتى أصبحت الحضارة الإسلامية مشروع أمة كاملة، لا مشروع مدينة أو أسرة حاكمة.
لكن التاريخ، كما علمنا مرارًا، لا يتوقف عند لحظة الازدهار.
ففي الوقت الذي كانت فيه بغداد تتجه نحو ذروة عصرها الذهبي، كانت الدولة العباسية قد بدأت تواجه تحديات جديدة؛ اتساع رقعة الدولة، وتعاظم نفوذ بعض القادة والولاة، وظهور قوى إقليمية أخذت تطالب بدور أكبر في إدارة الأقاليم.
وفي الغرب، كانت الدولة الأموية في الأندلس قد تجاوزت مرحلة البقاء، وأصبحت تستعد للانتقال إلى مرحلة أعظم، مرحلة لن تكتفي فيها بأن تكون إمارة مستقلة، بل ستتطلع إلى أن تصبح خلافة تنافس بغداد نفسها في المكانة والهيبة.
ومن هنا تنقسم رحلتنا مرة أخرى بين جناحي العالم الإسلامي.
سنعود إلى قرطبة لنشهد كيف تحولت الإمارة الأموية إلى قوة كبرى، وكيف مهّد هذا الطريق لظهور الخليفة الذي سيبلغ بالأندلس ذروة مجدها.
ثم سنعود إلى بغداد، لنرى كيف بدأت التحديات السياسية والعسكرية تعيد تشكيل الدولة العباسية، بينما بقي العلم والحضارة يشعان منها إلى العالم.
فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم…
بل في أنهار متوازية، تلتقي أحيانًا، وتفترق أحيانًا أخرى، لكنها تصب جميعًا في بحر الحضارة الإنسانية.
وفي المقال القادم.
قرطبة قبل الخلافة
كيف مهّد أمراء بني أمية الطريق لعبد الرحمن الناصر، الرجل الذي سيعلن قيام الخلافة الأموية في الأندلس، ويجعل من قرطبة ندًّا لبغداد في المشرق.

زر الذهاب إلى الأعلى