حين تتحول التربية إلى قسوة.. من يحمي أبناءنا من العنف وأحكام المجتمع؟
بقلم الكاتبه دعاء شعبان
ليست كل فتاة تهرب من منزل أسرتها ضحية شخص أغواها، وليست كل فتاة تهرب من بيت أهلها ضحية تربية سيئة فقط. لكن المؤكد أن وراء كثير من هذه الحالات عوامل متشابكة، تبدأ أحيانًا من داخل الأسرة، وتزداد تعقيدًا تحت ضغط المجتمع وأحكامه القاسية.
حين تتحول التربية إلى أوامر ونواهٍ وعقاب وضرب وسب وإهانة، يفقد الأبناء شيئًا أساسيًا: الإحساس بالأمان داخل البيت.
وفي مرحلة المراهقة تحديدًا، لا تحتاج الفتاة إلى من يراقبها طوال الوقت بقدر احتياجها إلى شخص يسمعها، يفهم مخاوفها، يحتوي أخطاءها، ويمنحها مساحة آمنة تستطيع فيها أن تتحدث دون خوف من الإهانة أو العقاب.
في هذا العمر، ابنتك تحتاج إلى صداقة قبل الرقابة، وإلى حضن وطبطبة قبل المحاضرات.
وعندما تغيب مساحة الحوار داخل الأسرة، قد تبحث الفتاة عن الاهتمام والاحتواء خارجها، وقد يستغل البعض هذا الاحتياج ويقدم نفسه في صورة الشخص الذي يفهمها ويحميها، بينما تكون الحقيقة مختلفة تمامًا.
لكن حتى عندما تخطئ الفتاة، فإن الخطأ لا يجعلها بلا حقوق، ولا يمنح أحدًا الحق في إيذائها أو قتلها.
لقد شهد المجتمع حالات مؤلمة تحولت فيها خلافات أسرية إلى جرائم، وسقط فيها أفراد من الأسرة ضحايا لأفكار اجتماعية متوارثة عن “العار” و”الشرف” و”كلام الناس”.
والأخطر أن البعض يتعامل مع هذه القضايا وكأنه قاضٍ يصدر الأحكام، ثم يتحول الحكم إلى ضغط على الأسرة، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى نتائج لا يمكن إصلاحها.
العار ليس في أن يخطئ إنسان ثم نبحث عن طريقة لإصلاح الخطأ. العار الحقيقي أن نعتقد أن الخطأ يمكن أن يُعالج بالعنف أو القتل.
كان من الممكن أن تكون هناك حلول كثيرة لأي علاقة أو هروب أو خطأ: الحوار، الاحتواء، تدخل شخص حكيم من العائلة، الاستعانة بمتخصص، أو اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة حسب الحالة.
أما العنف، فلا يصنع شرفًا، والقتل لا يعيد سمعة، وكلام الناس لا ينبغي أن يكون سببًا في إنهاء حياة إنسان.
وفي مثل هذه الوقائع، من المهم أيضًا ألا نختصر المسؤولية في طرف واحد. فالشخص الذي يستغل فتاة أو يخدعها يتحمل مسؤولية أفعاله، والأسرة تتحمل مسؤولية أسلوب تعاملها معها إن كان قائمًا على العنف أو الإهمال، والمجتمع يتحمل جزءًا من المسؤولية عندما يحول حياة الناس إلى محكمة مفتوحة لا تنتهي.
أما الضحية، فلا ينبغي أن تتحول أخطاؤها إلى مبرر للعنف ضدها.
أسرة كاملة يمكن أن تدمرها لحظة غضب، أو خوف من كلام الناس، أو اعتقاد بأن الحفاظ على “الصورة أمام المجتمع” أهم من الحفاظ على حياة الإنسان.
لذلك، قبل أن نسأل: “البنت عملت إيه؟”
علينا أن نسأل أيضًا:
هل كانت تجد من يسمعها؟
هل كانت تشعر بالأمان داخل بيتها؟
هل كان بإمكانها الاعتراف بخطئها دون أن تخاف من الموت أو الإهانة؟
وهل ساعدناها على العودة إلى الطريق الصحيح، أم دفعناها أكثر بعيدًا بأحكامنا؟
التربية ليست ضربًا ولا سبًا ولا تخويفًا.
والحزم لا يعني القسوة.
والحفاظ على الأبناء لا يكون بإرهابهم، وإنما ببناء علاقة تجعلهم يلجأون إلى أهلهم عندما يخطئون، بدلًا من الهروب منهم.
فلنراجع طريقة تربيتنا قبل أن نحاسب أبناءنا على نتائجها، ولنراجع ألسنتنا قبل أن نحاسب الآخرين على أخطائهم.
فبعض الكلمات قد تبدو بسيطة لمن يقولها، لكنها قد تكون ثقيلة جدًا على إنسان يعيش أصلًا في بيت لا يشعر فيه بالأمان.
وفي النهاية، لا أحد يملك أن يعيد حياة من رحلوا.
لكن يمكننا أن نتعلم من المأساة، وأن نمنع مأساة أخرى.
رحم الله من فقدوا حياتهم ظلمًا، وألهم أهلهم الصبر، وحمى أبناءنا من العنف والاستغلال، ومن مجتمع يجعل “كلام الناس” أحيانًا أهم من حياة الإنسان.








