حين كان الكبير مدرسة
بقلم: أ/ هبة أحمد شاهين – الإسكندرية
هناك أشياء لا نتعلمها من الكتب، ولا تُكتب في المناهج… نتعلمها فقط ونحن نعيشها.
أتذكر أبي، رحمه الله، حين كان يعلّمني دون أن يقصد أن يقدّم لي درسًا.
كان يكفيني أن أراه كيف يتعامل مع الأكبر سنًا، وكيف يراعي خطواته وكلماته، لأفهم أن احترام الكبير لم يكن يومًا مجرد تصرف اجتماعي، بل كان جزءًا من تربية الإنسان وتهذيب روحه.
في زمن مضى، كان وجود الجد والجدة في البيت شيئًا يشبه البركة.
كانت الأسرة تجتمع، والكبار يتحدثون، والصغار ينصتون. لم يكن أحد يشعر أن حديث الكبير قديم أو أن تجربته لم تعد تصلح لهذا الزمن.
كانوا يعرفون شيئًا مهمًا نفتقده اليوم:
أن العمر لا يمنح الإنسان قيمةً فقط… بل يمنحه تجربة تستحق أن تُسمع.
وكان الطفل يتعلم من المشهد قبل أن يتعلم من الكلام؛
يتعلم كيف يستأذن، وكيف يخفض صوته، وكيف ينتظر دوره، وكيف يختلف دون أن يهين، وكيف ينجح دون أن يتكبر.
أما اليوم، فقد أصبحت السرعة جزءًا من حياتنا.
نريد أن نصل قبل غيرنا، نتحدث قبل أن نسمع، ونحكم قبل أن نفهم، وأحيانًا نتعامل مع من يكبرنا وكأن سنوات عمره أصبحت عبئًا لا خبرة.
والحقيقة التي ربما نحتاج أن نعترف بها:
حين نفقد احترام الكبير، لا نخسر الكبير وحده… نحن نحرم أنفسنا من جسر يصلنا بما تعلمه من سبقونا.
وليس المقصود أن نقدّس كل ما كان قديمًا، أو أن نرفض التطور.
بل أن نعرف كيف نأخذ من الماضي قيمه الجميلة، ونمنح الحاضر عقلًا أكثر نضجًا.
فقد يحتاج طفل اليوم إلى جهاز حديث كي يتعلم، لكنه يحتاج أيضًا إلى حكاية من جدته ليتعلم معنى الصبر.
وقد يملك الشاب معلومات أكثر من والده، لكنه قد يحتاج إلى سنوات أبيه ليتعلم متى يستخدم هذه المعلومات.
ربما لا نستطيع إعادة الزمن إلى الوراء،
لكن نستطيع أن نعيد إلى بيوتنا شيئًا من روحه:
أن نسمع الكبير، ونحترم الصغير، ونختلف بأدب، ونجعل الأسرة مكانًا يتعلم فيه الإنسان كيف يكون إنسانًا قبل أن يتعلم كيف يكون ناجحًا.
فبعض القيم لا ينبغي أن تتغير بتغير الزمن…
لأنها هي التي تجعل الزمن، مهما تغيّر، أكثر إنسانية.








