مقالاتمنوعات

حين ينجح العقل في صناعة المجد… ويفشل الإنسان في الحفاظ عليه!

بقلم: أ/ هبة شاهين

حين ينجح العقل في صناعة المجد…

ويفشل الإنسان في الحفاظ عليه!

 

 

بقلم: أ/ هبة شاهين -الإسكندرية

النجاح المهني لا يصنع إنسانًا ناضجًا بالضرورة، والنجاح الشخصي لا يمنح صاحبه شهادة كفاءة مهنية.

من أكثر المفارقات الإنسانية إثارة للتأمل أن تجد شخصًا استطاع أن يشق طريقه المهني بجدارة، وأن يحقق نجاحات لافتة، وربما أصبح صاحب مكانة وتأثير، ثم يفاجئ الجميع بانهيار أخلاقي أو شخصي حاد، يفقده احترام المحيطين به، وقد يصل به الأمر إلى خسارة الوظيفة أو المكانة التي أفنى سنوات في بنائها.

وعلى الجانب الآخر، قد نجد إنسانًا ناجحًا في حياته الشخصية، يتمتع بعلاقات إنسانية متزنة، ويحظى بمحبة أسرته واحترام مجتمعه، لكنه يعجز عن إدارة عمله، أو الالتزام بمتطلباته، أو تطوير قدراته المهنية، فيتعثر رغم امتلاكه كثيرًا من الصفات الإيجابية.

وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف أمامه: كيف يمكن لعقل أن يمتلك القدرة على صناعة النجاح في مجال، بينما يعجز عن إدارة نفسه في مجال آخر؟

أولًا: النجاح المهني لا يعني اكتمال البناء الإنساني.

هناك فرق جوهري بين الذكاء والكفاءة من ناحية، والنضج الأخلاقي والانفعالي من ناحية أخرى.

فقد يمتلك الإنسان ذكاءً تحليليًا مرتفعًا، ومهارات استثنائية في التخطيط والإدارة والتفاوض، لكنه يفتقر إلى ضبط النفس، أو احترام الحدود، أو تحمل المسؤولية، أو القدرة على الاعتراف بالخطأ.

المشكلة أن النجاح المهني قد يمنح بعض الأشخاص شعورًا مضخمًا بالاستحقاق، فيبدأون تدريجيًا في الاعتقاد بأن تميزهم في العمل يمنحهم امتيازات استثنائية في التعامل مع الآخرين.

ومع تكرار الإشادة والسلطة والنفوذ، قد تتراجع لديهم حساسية النقد، ويختلط تقدير الذات بالشعور بالتفوق، فيتصورون أن القواعد التي تنطبق على الآخرين لا تنطبق عليهم.

وهنا يتحول النجاح من وسيلة لبناء الإنسان إلى اختبار يكشف حقيقة بنائه الداخلي.

ثانيًا: كيف ينهار الإنسان أخلاقيًا رغم نجاحه المهني؟

هناك عدة عوامل نفسية وتربوية قد تساهم في هذه المفارقة:

التضخم النفسي الناتج عن النجاح: عندما يربط الإنسان قيمته الشخصية بمنصبه أو إنجازاته، قد يتولد لديه شعور بأنه فوق المساءلة، وأن الآخرين مطالبون دائمًا باحتماله.

الفصل بين الأدوار والقيم: بعض الأشخاص يتعاملون مع الأخلاق باعتبارها سلوكًا يتغير حسب المصلحة والمكان؛ فيظهرون الانضباط والاحترام أمام أصحاب النفوذ، بينما يتخلون عنهما عندما يعتقدون أن لا أحد يراقبهم.

ضعف الذكاء الانفعالي: قد يكون الشخص بارعًا في قراءة الأرقام والفرص، لكنه عاجز عن فهم مشاعر الآخرين، أو التحكم في غضبه، أو إدارة خلافاته دون إيذاء.

التنشئة القائمة على التفوق لا المسؤولية: عندما ينشأ الإنسان على أن قيمته في تفوقه على الآخرين، وليس في احترامهم، فقد يحقق إنجازات كبيرة دون أن يتعلم التواضع والإنصاف.

غياب المحاسبة: السلطة التي لا يصاحبها تقييم حقيقي قد تشجع السلوكيات المنحرفة، خصوصًا عندما يجد الشخص من يبرر أخطاءه أو يخشى مواجهته.

الخلط بين القدرة والاستحقاق: يعتقد البعض أن امتلاك المهارة أو تحقيق الإنجاز يمنحهم الحق في تجاوز الحدود، بينما الحقيقة أن الكفاءة تمنح صاحبها مسؤولية أكبر، لا حصانة أخلاقية.

ثالثًا: وعلى النقيض… لماذا يفشل الناجح شخصيًا في حياته المهنية؟

ليس كل إنسان طيب أو محبوب أو ناجح في علاقاته يمتلك بالضرورة أدوات النجاح في العمل.

فقد يكون الشخص كريمًا ومتعاونًا، لكنه ضعيف في اتخاذ القرار، أو غير قادر على الالتزام بالمواعيد، أو يهرب من المواجهة، أو يفتقر إلى التخطيط والتنظيم.

وقد تؤدي المبالغة في إرضاء الآخرين إلى العجز عن وضع حدود مهنية واضحة، كما قد يجعل الخوف من الفشل صاحبه يتجنب المبادرة وتحمل المسؤولية.

وهناك من يمتلك قيمًا إنسانية رائعة، لكنه لم يطور مهاراته، ولم يستثمر في التعلم المستمر، فيجد نفسه متأخرًا في بيئة لا تكفي فيها النوايا الطيبة وحدها لتحقيق النتائج.

وهنا يجب أن نفهم أن الأخلاق لا تعوض نقص الكفاءة، كما أن الكفاءة لا تعوض غياب الأخلاق.

رابعًا: ما الذي يشكل البناء العقلي والنفسي لهذه الشخصيات؟

البناء العقلي للإنسان لا يتكون من الذكاء وحده، وإنما يتأثر بمجموعة متداخلة من العوامل:

طريقة التربية المبكرة، ومدى تعلم الطفل تحمل نتائج أفعاله.

صورة الذات التي تتكون لديه، وهل تقوم على الإنجاز وحده أم على القيم والمسؤولية أيضًا.

البيئة المحيطة، وهل تكافئ السلوك الصحيح أم تتسامح مع التجاوزات ما دامت النتائج جيدة.

الخبرات السابقة، وطريقة التعامل مع النجاح والفشل والرفض والنقد.

القدرة على التفكير النقدي ومراجعة المعتقدات الشخصية.

مستوى النضج الانفعالي والقدرة على تأجيل الرغبات وضبط الاندفاع.

وجود قدوة عملية تجمع بين الكفاءة والأمانة والاتزان.

ومن المهم أن ندرك أن هذه العوامل ليست أحكامًا نهائية؛ فالإنسان يستطيع إعادة بناء كثير من أنماطه السلوكية إذا امتلك الوعي والرغبة الحقيقية في التغيير.

خامسًا: كيف نعالج هذه الفجوة قبل أن تتحول إلى خسارة؟

العلاج يبدأ من إدراك ،أن النجاح مشروع متكامل، وليس مجموعة إنجازات منفصلة.

ولذلك يحتاج الإنسان إلى مراجعة نفسه في خمسة اتجاهات:

المحاسبة الذاتية: أن يسأل نفسه بصدق: هل أتعامل مع الآخرين بالطريقة التي أطالبهم بأن يتعاملوا بها معي؟

الفصل بين المكانة والقيمة: المنصب ليس دليلًا على التفوق الإنساني، والنجاح لا يمنح صاحبه حق إهانة الآخرين أو تجاوز حقوقهم.

تنمية الذكاء الانفعالي: تعلم إدارة الغضب، وتقبل النقد، والاعتذار، واحترام الاختلاف، ووضع الحدود الصحية.

التقييم من مصادر مختلفة: ألا يكتفي الإنسان بتصفيق من حوله، بل يستمع أيضًا إلى من يملكون الشجاعة لإخباره بالحقيقة.

التعلم المستمر: سواء في المهارات المهنية أو الشخصية؛ لأن الإنسان الذي يتوقف عن تطوير نفسه يبدأ في فقدان قدرته على التكيف والنمو.

أما المؤسسات، فعليها ألا تقيس النجاح بالأرقام والإنتاجية وحدهما، بل أن تضع السلوك المهني واحترام الآخرين والنزاهة ضمن معايير التقييم والترقي والمساءلة.

وأخيرًا …

هناك حقيقة ربما نغفل عنها: أن الإنسان قد يحتاج سنوات طويلة ليبني اسمه المهني، لكنه قد يحتاج لحظة واحدة من سوء التقدير أو تجاوز أخلاقي جسيم ليهدم ما بناه.

والأمر نفسه ينطبق على الجانب الآخر؛ فقد يكون الإنسان محبوبًا في محيطه، لكنه لا يستطيع أن يعيش على رصيد المحبة وحده إذا لم يطور قدرته على الإنجاز وتحمل المسؤولية.

لسنا مطالبين بأن نكون مثاليين، لكننا مطالبون بأن نكون قابلين للمراجعة والتصحيح.

فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى مكانة عالية فحسب، بل أن تمتلك من الوعي ما يجعلك جديرًا بها، ومن الأخلاق ما يحفظها،

ومن الكفاءة ما يساعدك على الاستمرار فيها.

فلا قيمة لنجاح يرفع مكانتك أمام الناس بينما يهدم قيمتك في أعينهم، ولا اكتمال لنجاح شخصي جميل لا تسنده قدرة على مواجهة الحياة وتحمل مسؤولياتها.

إن أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن تتصالح قدراته مع قيمه؛

فيكون ناجحًا فيما يفعل،

وناضجًا فيما يختار،

وإنسانًا في كل ما يتعامل به مع الآخرين.

زر الذهاب إلى الأعلى