صدى مصر

 اللص. قصة قصيرة بقلم: فريزة محمد سلمان

مع قراءة نقدية مختصرة بقلم: مصطفي العقاد

 اللص

 

بقلم: فريزة محمد سلمان

أثار حادث اختفاء أفراخ الحمام ليومين متتاليين، ريبة والدي، واستياء أمي. تُرى من الفاعل؟ ومن هو هذا اللص الذي يتسلل ليلاً إلى بيت الحمام الذي يتوسط سطح بيتنا؟…

ذاك البيت الذي بناه أبي لهم من بقايا الحجارة بعد أن أتمّ بناء بيتنا الريفي والذي يتألف من ثلاث غرف كبيرة، تحيط به شرفة واسعة تنتهي بدرجٍ جانبي يوصل إلى سطح المنزل.

حين حلَّ المساء، دكّ أبي بارودة الخردق، التي كان يصطاد بها طيور الفري والسمّن، وأغلق الباب بالمفتاح ولطى وراء الشباك المقابل للدرج وقد أغلقه نصف إغلاق، ومد سبطان البارودة من خلاله، وجلس ينتظر.

كنّا نيامًا ولا همسة أو كلمة في البيت، هذا ظاهريًا، ولكننا في الواقع كنا متحفزين وخائفين، من اللص المجهول ومن بارودة أبي المتربصة باللص المجهول.

ما كان يفصلنا عن مكان أبي سوى باب موارب، نحن في غرفتنا، وأبي وأمي في الغرفة الثانية.

يمضي الوقت ببطءٍ شديد، حتى أن النعاس غلب إخوتي إلا أنا وعليّ فقد كنا نرسم سيناريوهات شتى لسير المعركة بين أبي واللص، وكنّا نتخيله أحد الأولاد الأشقياء وقد وقع في مصيدته، ليكون عبرةً للآخرين، إن سوّلت لهم أنفسهم التعدي علينا والسرقة بعد ذلك، ونتخيل وجهه في الصباح، أمام الناس يعترف بالسرقة.

كنا نرفع رأسينا من تحت الغطاء ونرقب أبي المستعد لساعة الصفر، نتوشوش ونضحك دون أن نلفت نظره.

مضت ساعات من الليل وأبي واقفٌ يتململ، يبدل ثقل جسده من رجلٍ إلى أخرى، وكأنه فقد الأمل من مجيئه، أمي بجانبه كظله، تلبي طلباته، مرة شاي ومرة قهوة ودون أن تشعره أنها فقدت طاقتها وأن يومها كان شاقاً كالعادة، فالبيت غير مجهز، ويجب عليها إحضار الماء والحطب، وخمسة أطفال، لا يكفّون عن الطلب، تتثاءب خفية،وتغطي فمها بمنديلها الملون.

يضحك علي ويقول: ماما تتمنى أن تنتهي هذه المسرحية وتنام،

أجاوبه: إن نامت ماما سيفقد أبي تركيزه، فهو أيضًا متعب، وكأن اللص يعرف ذلك فتأخر في المجيء.

في لحظة فلتتمن مراقبتنا، خرجت طلقةٌ مدويّةٌ، وصوت يشبه المواء وارتطام بالنافذة, أجفل أبي الذي ارتدّ إلى الوراء فطريًا، رغم علمه أنه لا يمكن أن يصل إليه من خلال الحاجز الحديدي المثبت على النافذة.

دقائق إضافية تابع أبي مراقبة هدفها لذي فرّ نازفًا وشيئًا فشيئاً،هدأت الجلبة وحلّ السكون واستراح أبي لعلمه أن اللص ليس بشريًا… وأسلم جسده المنهك للنوم.

انتهى

……………..****……………..

قراءة نقدية مختصرة في قصة “اللص”

 

بقلم: مصطفي العقاد

الفكرة العامة ومحور الحدث: تنطلق القصة من بؤرة سردية بسيطة ومحدودة، تتمثل في اختفاء أفرَاخ الحمام ليومين متتاليين من فوق سطح منزل ريفي. هذا الحدث البسيط ينجح في إثارة ريبة الأب واستياء الأم، ليتحول إلى محور صراع خفيّ يدفع العائلة بأكملها نحو حالة من الترقب والتأهب. وتبرز الكاتبة براعتها وتظهر بالحكاية كيف تتضخم التفاصيل اليومية الصغيرة في البيئات الريفية الهادئة لتصبح قضايا كبرى تشغل الأسرة وتكشف عن طبيعة الروابط التي تجمع أفرادها.

عن سلامة اللغة وانسيابية السرد: أرى تميز اللغة السردية في النص يكمن في خلوها من التعقيد، وهذا يمنح القارئ إحساسًا بالقرب والألفة خاصة من بيئة المشهد, إذ استخدمت الكاتبة جملًا متصلة؛مختصرة, مبتعدة عن التكلف اللفظي، مما جعل الأحداث تتدفق بسلاسة تامة منذ السطر الأول وحتى النهاية.

هذا الأسلوب الرشيق قد ساعد في نقل نبض الحياة الريفية بدقة, ويّسر عملية التلقي وجعل النص مفتوحًا على المتعة الأدبية والفهم المباشر.

بناء الحبكة وتصاعد التوتر الدرامي: تعتمد الحبكة في قصة “اللص” على تقنية التصاعد التدريجي البطيء، حيث يبدأ النص بحدث عرضي، ثم ينتقل إلى مرحلة الاستعداد عبر دك الأب لسلاحه وتأمين المكان للترصد، وصولًا إلى ذروة التوتر ليلًا حيث ينتظر الجميع في الظلام. وهنا نجح السرد في خلق أجواء من التشويق المحبب من خلال نظرة الأطفال المختبئين تحت الأغطية وتخيلاتهم البريئة لمجريات المعركة، لينتهي هذا التصاعد بخاتمة هادئة تزيل كل هذا التوتر وتكشف عن المفارقة بطريقة بسيطة ساخرة.

دلالات الرمزيات والشخصيات: يحفل النص برموز دقيقة تعمق البعد الإنساني والاجتماعي للقصة؛ فبيت الحمام يمثل رمزًا للأمان والرزق البسيط واستقرار العائلة الريفية، بينما ترمز “بارودة الخردق” إلى هيبة الأب وسلطته الحامية وحرصه على صون ممتلكات بيته. وفي المقابل، تجسد شخصية الأم الصبر والتحمل والظل الخفي الذي يوازن بين قسوة الحياة اليومية وصلابة المواقف الاستثنائية، بينما يمثل الأطفال براءة الطفولة التي تضفي على المشهد روح الفضول والمغامرة.

المفارقة وخاتمة النص

تشكل اللحظة الحاسمة لإطلاق النار مفارقة ساذجة ومحببة في آن واحد، إذ تتحول هيبة المعركة ضد “لص مجهول” إلى مجرد مواجهة مع قطة أطلقت مواءً وارتطمت بالنافذة. هذا الحل المفاجئ لا يلغي جدية التجربة، بل يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي، ليخلد النص في النهاية لوحة دافئة من حياة الريف البسيطة التي تتداخل فيها المخاوف الصغيرة بالسلام اليومي العميق.

زر الذهاب إلى الأعلى