مجرى النهر. بقلم: فيفيان سمير
مجرى النهر
بقلم: فيفيان سمير
تعيش في زقاق ضيق من أزقة القاهرة القديمة، ظلت سنوات تنتظر عودته، تجلس كل مساء على عتبة بابها تنظر إلى نهاية الزقاق، قلبها يخفق بأمل لا يكل، وعيناها تبحثان عن طيف مألوف بين عابري الطريق. في يوم من الأيام، مات هناك في بلاد الغربة، وأتتها الأخبار، بكت طويلا، ودفنته في قلبها، لكنها استمرت تجلس كل مساء على عتبة الباب، تنظر إلى نهاية الطريق، تقاوم كل محاولات الأهل لإقناعها بأنه لن يعود، وكأن عقلها نسي أن يخبر قلبها بأن الرحلة انتهت، وكأن خلاياها ترفض تصديق ما يعرفه عقلها جيدًا. إنه الجهاز العصبي البشري حين يتبرمج على حالة معينة، فتصبح كالنهر الذي حفر مجراه في الصخر، يظل مجراه حتى بعد أن تجف ينابيعه، وكأن الذاكرة العضلية ترفض أن تتعلم دروس النهاية، والروح تصر على تكرار ذات الرقصة حتى بعد أن تتوقف الموسيقى.
إن الجهاز العصبي الذي مُنحنا إياه ليتكيف مع البيئة، يتحول في كثير من الأحيان إلى سجن لا نستطيع الهروب منه. فهو يشبه الحصان الذي ظل سنوات يجر العربة في نفس الطريق، فحتى بعد أن تحرر من العربة، يظل يسير على نفس الأثر، ولا يعرف كيف يترك الطريق القديم.
حين نعيش علاقة مؤذية، أو حالة حزن دائم، يتبرمج نظامنا العصبي على تلك الحالة، فيخلق مسارات عصبية مألوفة، تعيد إنتاج نفس المشاعر ونفس ردود الأفعال، حتى لو تغيرت الظروف تماما، كتلك الأغنية التي تظل عالقة في رأسك أياما، لا تستطيع التخلص منها، لأن خلايا دماغك نسجت حولها شبكة من الارتباطات التي يصعب فكها. وكم من إنسان ظل يخاف من شيء لم يعد يشكل له خطرا، وكم من إنسان ظل يحب شخصا رحل من حياته، كأنه أسير في زنزانة من روابطه العصبية، لا يدرك أن المفتاح بين يديه لكنه فقط لا يستخدمه.
تأمل في تلك العلاقات العاطفية التي تنتهي بالفراق، حيث يظل أحد الطرفين ينتظر رسالة، أو يفتح الباب متوقعا رؤية الحبيب، أو يستيقظ في منتصف الليل بحثا عن دفء كان معتادا عليه. مئات المرات ينظر إلى هاتفه، وكل مرة يشعر بموجة من الألم حين يفيق على حقيقة أن المتصل لم يعد موجودا. هذه هي البرمجة العصبية التي تحتاج إلى وقت للتحرر، كالجروح التي تظل تؤلم حتى بعد أن تلتئم، لأن الأعصاب تظل ترسل إشارات الألم كنوع من العادة القديمة. وكأن الجسد يرفض أن ينسى، وربما يكون أصعب ما في هذه الحالة حين يدرك الإنسان أنه لم يعد هناك سبب حقيقي لألمه، ومع ذلك يظل يعاني.
أخطر تأثيرات تلك الروابط العصبية المعقدة هي التي تنشأ في الصغر، حيث يتشكل العالم الداخلي للإنسان في سنواته الأولى، ثم يظل يعيد إنتاج نفسه، مكررا نفس الأنماط، حتى لو تغير كل شيء من حوله. فالطفل الذي تعلم ألا يطلب شيئا لأنه كان يلقى الرفض، يكبر ليصبح رجلا لا يستطيع طلب المساعدة حتى وهو غارق في المشاكل. والطفلة التي تعلمت أن الصمت هو وسيلة النجاة في بيت مليء بالعنف، تكبر لتصبح امرأة تقبل بسوء المعاملة وكأنه الأصل، ولا تستطيع التعبير عن احتياجاتها في علاقاتها، وكأن الجهاز العصبي يقول لها: “هذه هي الطريقة الوحيدة للبقاء”.
وقد يكون هذا هو السبب لاستمرارنا في علاقات مؤذية، أو في وظائف أقل من إمكانياتنا، أو في عادات تدمرنا، لأن النظام الداخلي يعرف تلك الحالة، ويتقنها، ويشعر بالأمان فيها، حتى لو كانت نارا مشتعلة، لأن النار المألوفة تصبح أقل رعبا من المجهول الذي لا نعرفه حتى لو كان بردا وسلاما، فتلك الحالة صارت جزءا من تعريفنا للحياة.
لكن الجهاز العصبي، بكل عناده، هو أيضا أكثر الأجهزة قدرة على التغيير. فكما يتبرمج على حالة بعينها، يمكن له أن يتبرمج على أخرى، لكن الأمر يحتاج إلى صبر، إلى تكرار، إلى وعي، إلى جرعة كبيرة من اللطف مع الذات. فانت تحاول أن تحفر مجرى جديدا لنهر قديم، تحتاج أن تترك الماء يجري في الاتجاه الجديد بانتظام، حتى يوسع هذا المجرى، وحتى يطمس المجرى القديم الذي بدأ يمتلئ بالطمي. ومثلما يستغرق تعلم عادة جديدة تسعين يوما، يستغرق فك برمجة قديمة أشهرا وربما سنوات، لكنه ممكن، وقد يكون المفتاح أن تبدأ بإدراك أن شعورك اليوم لا يعكس واقعك، أن تعطي نفسك الإذن بأن تكون مختلفا، أن ترحم نفسك حين تنتكس، لأن كل نكسة هي جزء من عملية الفك، وليست دليلا على الفشل.
حين تنظر إلى حياتك، وتجد نفسك عالقا في حالة لم تعد تناسبك، تذكر أنك لست ضعيفا، بل أنت إنسان؛ فامنح جهازك العصبي الوقت الكافي كي يفهم أن الزمن تغير، وأن الأماكن تغيرت، وأن الأشخاص تغيروا، وأنت أيضا تغيرت، رغم أنفك. وابدأ رحلتك لفك البرمجة، ببطء، بحب لذاتك، بوعي كامل، وتذكر أن كل مرة تختار فيها ألا تستجيب لنداء عادتك القديمة، فإنك تزرع بذرة الحرية في تربة روحك، وقد لا ترى ثمارها اليوم، لكنها ستزهر ذات صباح، حين تستيقظ لتجد أن النهر قد غير مجراه أخيرا، وأن العتبة التي جلست عليها سنوات، لم تعد بحاجة إليها، لأن من كنت تنتظره، قد رحل، أو ربما لأنك أنت من تحررت ورحلت إلى حيث لا يعرفك الانتظار.





