صوتك… بقلم :نسرين المشاعلة
صوتك…
صوتك… صوتك
يملأ الكون،
ويملأ الفراغ حولي.
أعانقه فأفقد يديَّ،
أراقصه فأفقد جسدي،
وأتماهى معه
حتى أغدو وترًا قديمًا
في عودٍ قديم،
يرتعش بخفة
بين أصابع سيده الحانية.
والآن أفكر في شيءٍ
من كل شيء:
في اللغة، والفلسفة، والبيولوجيا،
في الموسيقى، والجيولوجيا، وعلوم الأرض.
أفكر في العلاقة الفطرية
بين صوتك وكل الأشياء!
في الزمن الذي توقف فجأةً
كأنه نسي سبب سيره،
في التاريخ
غير عابئٍ بما كان
وما سيكون.
أفكر في الموسيقى المنفية
وهي تبكي خارج النغم،
ثم تهرول فرحًا نحوك كطفلة
عثرت أخيرًا على بيتها.
أقف على عتبة اللامكان:
لا جهات لي،
ولا ابواب
أهكذا يتركني الكون
في فخِّ النبرة وحدي؟
عقارب الساعة
تهرب مرةً إلى الأمام
كمن ينجو،
ومرةً إلى الخلف
كمن يندم،
ولا تهتدي إلى الوقت.
ولأن الوقت جنَّ جنونه،
أتصفح الكتب،
وينتهي بي الأمر
إلى إضافة صوتك
سؤالًا أخيرًا في كتب الفلسفة.
وتقودني تلك الذبذبة الخفية
التي خلّفها صوتك في الهواء،
فأصابت الطقس بالهذيان،
إلى متابعة النشرة الجوية،
قبل الخروج في نزهة.
لكنني لا أكترث لتلك الاحتمالات:
أتحتويني كنسيمٍ دافئ،
يتعلم الحب للمرة الأولى،،
أم تقذفني بلا رحمة
في قلب عاصفة إلى المجهول؟
أقبل المجازفة.
سأتجول في كل الأحوال،
ما دام سيقودني إليك
ألف احتمال.
وفي كل مكان أمضي إليه
أعود لأفكر في شيءٍ آخر
من كل شيء:
في اللغة التي تتظاهر بالكمال،
ثم تكتشف،
حين تمر على حنجرتك
أنها ناقصة،
وأنها في حالة انتظار،
لكلماتٍ جديدة
تنطقها شفتاك.
وأفكر في شيءٍ آخر
من كل شيء:
في تلك العلاقة الحميمة
بين الجسد والصوت،
بين الروح والصوت،
بين الذاكرة وذرات الطين
العالق فيها صوتك
دون تفسير.
ويتناهى إليَّ من بعيد
همس الهنود الحمر
وهم يرددون اسمك
ومرثية الوداع الأخير،
ويطوفون حول نبض الغابة،
في عناقٍ أبدي،
لظل وطنهم المسلوب،.
فأعرف أنك شاسع وقديم.!
وحين تهتز الأرض،
وتغرق المدن،،
أدرك أن صوتك،
حدثٌ جيولوجي
لم تعترف به،
علوم الأرض بعد؛
وأن القارات تتصادم،
لتعانق بعضها حين تسمعك
وأن المحيطات لا تتسع لهذا الشجن،
حين تغني الحيتان معك
فتقذف الأمواج نفسها بعيدًا… بعيدًا
إلى أبعد مسافة،
ثم تأتي نحونا
ليغرقنا التسونامي.!
هناك نظرية أخرى
للمد والجزر تقول:
القمر لا يجر الماء،
بل يجر ما تبقى من توازنه
على أحبال صوتك
لكن لا شيء من كل هذا يهم.
دعني الآن،
أنا والكون،
نستمع إليك
لننسى كل شيء…
ليتلاشى كل شيء،
ويبقى صوتك!





