قصص قصيرة

ــ اختفاء ( الفصل الثاني من رواية من أجل ذلك لخالد الجمال

ــ اختفاء ( الفصل الثاني من رواية من أجل ذلك لخالد الجمال

2ــ اختفاء
( الفصل الثاني من رواية من أجل ذلك لخالد الجمال )

 

دخل الحاج أمين الطوبجي داره يتوكأ علي عصاه واحتلت أذنيه آهات
وصراخ وبكاء ويري سامي يضرب شقيقتيه شروق ودنيا في ظل عجز
الأم فاطمة القاضي لمنع ما تراه والدفاع عن بناتها .
لكن الأب قادرا علي ذلك وإذا به ينهال بعصاه علي سامي ضربا في كل
مكان علي جسده وسامي دفع أبيه دفعة أسقطته أرضا بعيدا عنه وانهارت
الأم وفقدت الوعي وسقطت علي الأرض واتجهوا جميعا نحوها مهرولين
وانزوي سامي في ركن من أركان الحجرة صامتا مترقبا ساكن الحركة .
حملها الحاج أمين علي الكنبة وسندها بذراعيه وأتت شروق ببصلة ودنيا
بالرائحة والنشادر والمحاولات مستمرة لإفاقة الأم وعودتها إلي الحياة .
ولأول مرة تري شروق ودنيا هدوء وسكينة شقيقهما سامي ونظرات عينيه
الهادئة بدلا من النظرات المرعبة التي إذا نظر بهما لأحد أصابه الرعب
مما تحتويهما من شر وعادت الحياة إلي الأم لحظات قليلة ونظرت لسامي
قائلة ـ ربنا يهديك يا سامي . ربنا يهديك يا ابني .
وفقدت الوعي مرة ثانية وخرج سامي مسرعا هاربا من نفسه .
وماتت الأم وسلمت الروح إلي ربها الذي أخذ أمانته .
فلم تحتمل الأم رؤية زوجها وهو يسقط علي الأرض بيد أبنها الوحيد
سند الأب والمعين له في الكبر على مصاعب الحياة .
فهل يشعر سامي بالذنب بعد وفاة الأم . فالشعور بالذنب يمنحنا الإستقامة
في الجنازة الكل يسأل عن سامي حتي أفراد عصابته .
لا أحد يعرف عنه شيئا يسألون و يـسألون والإجابات مختلفة ضلت طريق
الحقيقة أين سامي وأين ذهب .. .؟
علامة استفهام في النفس تايه . اختفي فيها الكلام . يا ضلع مخلوع من
قلب الزمن لمنا . ليه سبتنا . ؟ وسبت دموع علي خدنا . الأم راحت مننا .
وكأننا سراب بـ يدفن بعضنا .
وقبل مرور أربعين يوما علي وفاة الحاجة فاطمة القاضي أم سامي .
يلحق بها أبيه الحاج أمين الطوبجي مات و لا يعلم عن أبنه سامي شيئا
لم يستطع فراق زوجته وترك شروق في السنة الأخيرة في جامعة بنها
كلية الهندسة ودنيا في الفرقة الثالثة آداب بنها علم نفس . ,
ومازال سامي مختفيا فلم يحضر جنازة أمه ولا جنازة أبيه ولا يعلم شيئا
عن موتهما . فأين هو الآن . ؟
تمر الأيام والليالي . والشهور تتلاحق والعام الأول بدأ يسقط أوراقه ورقة
تلي الأخرى وتهدأ الأوضاع في شبلنجة باختفاء سامي المفاجئ .
تبعثرت هيبة عصابته وتفككت أوصالها فلم يعد لها علي الأرض وجودا
واختفت تماما مع اختفاء سامي ,
واختلفت الأقاويل عن اختفاءه وترددت الروايات وازدادت الشائعات عن
اختفاءه الذي أصبح حديث الصباح والمساء . وغاية الموائد وحدوتة
الأطفال , وتسلية الكبار .
وهبة رياح الاستقرار علي قرية شبلنجة والهدوء ساد حدودها وحلق في
سمائها واستوطن في أرجائها .
ورغم ذالك حديثهم لا ينقطع عن سامي و قالوا عنه الكثير . والكثير منهم
من قال أنه قتل , لو كان حيا لحضر جنازة أمه وأبيه . وما ترك شقيقتيه
في صراعهما مع الزمن . وقول أخر هاجر إلي أوربا . وقول قبض عليه
وهو الآن في غياهب السجون حبيس الجدران .
والحقيقة مازالت غائبة عن الوجود تائهة من العقول .
لكن الواقع يتحدث عن نفسه هدأت شبلنجة بعد اختفاء سامي وانهارت
العصابة وتفككت فقد فقدت العقل المفكر فقدت القائد المدبر فقدت القوة
والعزيمة والإرادة والقدرة علي المواجهة .فلم يعد في شبلنجة نهب ولا
سلب ولا سرقة ولا رعب .. و ذهب الخوف إلي حيث رجعة وفرح
الناس باختفاء سامي وانهارت عصابته .
*****
و صعد نجم رياض المحلاوي ويطفوا علي شاطئ الواقع منفردا فهو
صاحب المصانع والأطيان الابن الوحيد لشاهين المحلاوي الذي كان
طفلا وشابا مدللا لأبيه الثري شاهين المحلاوي ,
فبعد موت شاهين المحلاوي ورثه أبنه الوحيد رياض شاهين المحلاوي
وصار كل شئ باسمه .واعتبر رياض المحلاوي نفسه السيد وكل من في
شبلنجة عبيدا له فهل يرضي أبناء شبلنجة بهذا .. ؟
ربما يأتي الحين يوما لا تري تلك الخصال .
********************
الأديب الشاعر والسيناريست خالد الجمال

زر الذهاب إلى الأعلى