قبل أن تدفع مئات الآلاف…
تذكر أنك لا تشتري شهادة بل تبني مستقبلك
بقلم: أ. هبة شاهين – الإسكندرية
مع انتهاء ماراثون الثانوية العامة، تبدأ مرحلة لا تقل صعوبة عن الامتحانات نفسها، وهي مرحلة اتخاذ القرار. ففي كل عام، تتجه أنظار آلاف الأسر إلى الجامعات الخاصة، وتتحمل كثير منها أعباءً مالية ضخمة أملاً في تأمين مستقبل أفضل لأبنائها.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل ارتفاع المصروفات يعني بالضرورة فرصًا أفضل في سوق العمل؟
إذا كان الطالب سيلتحق بتخصصات تتطلب معامل وتجهيزات واعتمادًا مهنيًا واضحًا مثل: الطب، أو طب الأسنان، أو الصيدلة، أو الهندسة، فقد يكون الاستثمار في الجامعة الخاصة مبررًا في بعض الحالات وفقًا لجودة البرنامج وإمكانات الأسرة.
أما إذا كان التخصص لا يعتمد بالدرجة نفسها على الإمكانات العملية داخل الجامعة، فمن الحكمة أن يتوقف الطالب وأسرته قليلًا لإعادة حسابات التكلفة والعائد؛ فعندما تصل المصروفات إلى ما بين 60 و120 ألف جنيه سنويًا أو أكثر، فإننا نتحدث عن مئات الآلاف خلال سنوات الدراسة. هذا المبلغ قد يتحول إلى استثمار حقيقي إذا وُجِّه بشكل مدروس إلى بناء المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل اليوم.
اللغات الأجنبية: لم تعد اللغة الإنجليزية ميزة إضافية، بل أصبحت شرطًا أساسيًا في كثير من الوظائف، ومعها لغة ثانية قد تفتح أبوابًا جديدة.
المهارات التقنية: أصبحت مهارات الحاسب، وتحليل البيانات، والبرمجة، والتسويق الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المشروعات، من أكثر المهارات طلبًا في سوق العمل المحلي والعالمي.
والأجمل أن كثيرًا من هذه المهارات أصبح متاحًا عبر منصات تعليمية مجانية أو منخفضة التكلفة، يستطيع الطالب من خلالها التعلم وفقًا لسرعته، والحصول على تطبيقات عملية تبني له ملف أعمال (Portfolio) يثبت كفاءته، وهو ما أصبح في كثير من المجالات أكثر تأثيرًا من اسم الجامعة وحده.
لكن التعلم وحده لا يكفي…
فالخبرة العملية هي العنصر الذي يصنع الفارق الحقيقي، ويمكن اكتسابها من خلال:
التدريب الميداني والعمل الجزئي.
التطوع داخل الشركات والمؤسسات أو المشاركة في المبادرات المجتمعية.
ممارسة العمل الحر (Freelancing).
فهذه التجارب تنمي مهارات التواصل، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، وحل المشكلات، وهي مهارات يقدرها أصحاب الأعمال بقدر تقديرهم للشهادة الأكاديمية. كما أن العمل الحر لم يعد خيارًا هامشيًا، بل أصبح مسارًا مهنيًا يعتمد عليه ملايين الشباب حول العالم، حيث يمكن للطالب تقديم خدماته عبر منصات مثل (Upwork، وFiverr، وخمسات، ومستقل)، ليكتسب خبرة عملية، ويبني مصدر دخل، ويتعامل مع عملاء من دول مختلفة وهو لا يزال على مقاعد الدراسة.
والحقيقة التي قد يغفل عنها البعض أن سوق العمل لا يسأل أولًا: “كم دفعت في تعليمك؟”، بل يسأل: ماذا تستطيع أن تقدم؟ وما المهارات التي تمتلكها؟ وما القيمة التي تضيفها؟
لذلك، فإن القرار ليس بين جامعة حكومية وجامعة خاصة، بل بين من يكتفي بالحصول على شهادة، ومن يعتبر سنوات الدراسة فرصة لبناء نفسه علميًا وعمليًا.
رسالة توعية:
لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع، لكن القرار الرشيد هو الذي يوازن بين الإمكانات المادية، وجودة التعليم، وطبيعة التخصص، والاستثمار المستمر في تطوير الذات. فالمستقبل لا يصنعه اسم الجامعة وحده، وإنما يصنعه طالب لم يتوقف عن التعلم، ولم ينتظر الفرصة، بل صنعها بنفسه.
هل أنت مستعد؟ رحلة نجاحك قرارك أنت.
هل انت مستعد؟
رحلة نجاحك قرارك انت







