هل تعيش الفتاة ما تربت عليه؟
بقلم: ممدوح عكاشة
الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الإنسان دروس الحياة، وما يراه الطفل داخل منزله يظل راسخًا في عقله ووجدانه، وقد ينعكس على اختياراته وسلوكياته في المستقبل. فالابنة لا تتعلم فقط من كلمات والديها، بل تتعلم أكثر مما تراه كل يوم أمام عينيها.
ولهذا، يرى كثير من المتخصصين في علم النفس والأسرة أن صورة الأب في حياة ابنته تؤثر في الطريقة التي تنظر بها إلى الرجل وإلى الزواج. فإذا نشأت وهي ترى والدها رجلًا مسؤولًا، صاحب شخصية متزنة، يحترم زوجته ويقود أسرته بالحكمة، فإنها غالبًا ما تبحث عن شريك يحمل هذه الصفات.
أما إذا تربت في بيئة ترى فيها والدها فاقدًا لشخصيته، لا يملك قرارًا، ويخضع لكل ما يُطلب منه دون مناقشة أو توازن، فقد يصبح هذا النموذج مألوفًا لها، وقد تنجذب إلى رجل يشبه والدها في هذه الصفات، لأنها اعتادت هذا النمط من العلاقات داخل بيتها.
ولا تقف آثار التربية عند اختيار الزوج فقط، بل تمتد إلى طريقة التعامل مع أسرة الزوج. فإذا كانت الفتاة قد نشأت وهي ترى والدتها تكره أهل زوجها، وتزرع في أبنائها أن أهل الزوج هم سبب كل المشكلات، وأن القطيعة معهم هي الحل، فإن هذا السلوك قد يترسخ في وجدانها، فتدخل حياتها الزوجية وهي تحمل الأفكار نفسها، وتكرر التجربة التي عاشتها أمها، لا لأنها ولدت بهذه القناعة، ولكن لأنها تربت عليها.
وفي بعض الحالات، قد تتفاقم هذه الخلافات إذا كان الزوج ضعيف الشخصية، غير قادر على إدارة العلاقة بين زوجته وأهله بالعدل والحكمة، فيترك الأمور تتفاقم حتى تتحول الخلافات الصغيرة إلى خصومات دائمة. فضعف الشخصية لا يحل المشكلات، بل قد يزيدها تعقيدًا، لأنه يفقد الأسرة القائد القادر على تحقيق التوازن بين حقوق زوجته وواجباته تجاه والديه.
لكن من المهم التأكيد أن هذا ليس قانونًا ثابتًا، فليست كل فتاة نشأت في هذه الظروف ستكررها. فهناك من تتعلم من أخطاء الماضي، وتقرر أن تبني بيتًا مختلفًا يقوم على الاحترام والمودة وصلة الرحم. كما أن أسباب الخلاف مع أهل الزوج قد تكون متعددة، وقد يتحملها أي طرف، وليس من الصحيح ردها دائمًا إلى سبب واحد.
إن الزواج الناجح لا يقوم على سيطرة أحد الطرفين، ولا على خضوع الآخر، وإنما يقوم على شخصية ناضجة تعرف كيف تحاور، وكيف تحسم عند الحاجة، وكيف تعطي كل ذي حق حقه. فالزوج القوي ليس المتسلط، والزوجة الحكيمة ليست التي تعادي أهل زوجها، بل إن قوة الأسرة الحقيقية تكمن في الاحترام المتبادل، وحسن إدارة الخلافات، وعدم نقل مشكلات جيل إلى الجيل الذي يليه.
إن أبناء اليوم هم أسر الغد، وما يراه الطفل في بيته سيحمله معه إلى حياته المستقبلية. لذلك فإن مسؤولية الآباء والأمهات لا تقتصر على تربية الأبناء بالكلام، بل تبدأ بتقديم القدوة الصالحة في التعامل، واحترام كل طرف للآخر، حتى ينشأ الأبناء وهم يؤمنون بأن الأسرة الناجحة تُبنى على الحب والعدل والتفاهم، لا على الكراهية، ولا على ضعف الشخصية، ولا على الصراع الدائم بين الزوجة وأهل زوجها.







