صدى مصرمقالاتمنوعات

​لا تجعل جراحك عنوانًا لحياة إنسان آخر

​لا تجعل جراحك عنوانًا لحياة إنسان آخر

 

بقلم: أ. هبة شاهين – الإسكندرية

​ما يؤلمنا يفسر بعض تصرفاتنا.. لكنه لا يمنحنا الحق في إيذاء من لم يؤذِنا.

​هناك أشخاص يدخلون حياتنا بقلوب مفتوحة؛ يمنحون الثقة دون تحقيق، والاهتمام دون حساب، ويمنحون من يحبونهم شعورًا نادرًا بالأمان، حتى يأتي يوم يجدون فيه أنفسهم —دون أن يفهموا كيف— يتغيرون… يحسبون كلماتهم، يخافون من الصمت، ويفكرون طويلًا قبل أن يجيبوا.

​ويبدأ السؤال الأصعب في الظهور:

«متى أصبحتُ أنا بهذا القدر من القلق؟»

​أحيانًا لا يكون الإنسان قد جاء إلى العلاقة محملًا بكل هذا الخوف، وإنما تعلم الخوف داخلها. وهنا تبدأ واحدة من أكثر المآسي الإنسانية هدوءًا: أن يدخل شخص حياة إنسان محب ومطمئن، ثم يجعله يدفع ثمن جراح لم يكن سببًا فيها.

​ليس كل مجروح مؤذيًا.. لكن الجرح غير المفهوم قد يؤذي

​قد يكون الإنسان قد عاش تجربة جعلته شديد الحساسية تجاه الهجر، أو تعرض للخيانة فأصبح يجد صعوبة في الثقة، أو نشأ في بيئة كثيرة الانتقاد جعلته يفسر الملاحظات البسيطة باعتبارها رفضًا له. هذه التجارب تترك أثرًا، وقد تؤثر في الطريقة التي نحب بها، ونغضب بها، ونطلب بها الاهتمام، ونواجه بها الخلاف.

​لكن هناك فارقًا بالغ الأهمية بين أن نفهم سبب سلوك الإنسان، وأن نقبله بلا حدود:

* ​أن تعرف لماذا يخاف شخص ما، لا يعني أن تسمح له بالسيطرة عليك.

* ​أن تفهم لماذا يشك فيك، لا يعني أن تقضي حياتك في إثبات براءتك.

* ​أن تعرف أنه تأذى من قبل، لا يعني أنك مطالب بدفع فاتورة أشخاص سبقوك.

​الماضي يفسر.. لكنه لا يعفي من المسؤولية.

​أحيانًا لا نرى الحاضر كما هو

​الإنسان لا يدخل علاقاته بذاكرة فارغة:

¤ ​قد يتأخر شخص في الرد، فتستيقظ داخلك قصة قديمة.

¤ ​قد يطلب شريكك بعض المساحة، فتفسرها على أنها بداية التخلي.

¤ ​قد يختلف معك، فتشعر أن العلاقة كلها مهددة.

¤ ​قد يكون ما يحدث أمامك بسيطًا، لكن داخلك يمنحه حجمًا أكبر لأنه لمس مكانًا قديمًا لم يلتئم بعد. وهنا تصبح المشكلة أن الإنسان لا يتعامل فقط مع الشخص الموجود أمامه، وإنما أحيانًا مع أشخاص من الماضي يسكنون ذاكرته؛ فيبدأ بالشك بدل الثقة، والمراقبة بدل الحوار، والاختبار بدل الاطمئنان. ومع الوقت، يجد الطرف الآخر نفسه مطالبًا طوال الوقت بأن يثبت أنه ليس الشخص الذي سبقه… وهذه معركة خاسرة للجميع.

​العلاقة الآمنة لا ينبغي أن تجعلك تمشي بحذر دائم

​من أخطر العلامات في العلاقات أن يشعر أحد الطرفين أنه يجب أن يزن كل كلمة، وأن يتوقع الانفجار من أبسط اختلاف، وأن يخشى التعبير عن غضبه أو احتياجه حتى لا يخسر الآخر.

​في البداية يتنازل حتى تمر الأمور، ثم يصمت، ثم يتجنب، ثم يراقب ردود الأفعال، وبعد فترة قد يفقد شيئًا من عفويته وثقته بنفسه. وهنا لا يعود الأمر مجرد خلاف بين شخصين؛ لقد بدأت العلاقة تؤثر في السلام الداخلي لأحدهما. والحب الذي يجعل الإنسان يخاف باستمرار ليس بالضرورة حبًا يحتاج إلى مزيد من الصبر، أحيانًا يحتاج إلى وعي وحدود وإصلاح حقيقي.

​لا تبحث عن شخص يعالجك بالحب

​من أكثر الأفكار التي تبدو رومانسية لكنها قد تكون مؤذية، أن يأتي «الشخص المناسب» فينقذنا من كل ما حدث لنا. الحب يساعد بالتأكيد، والعلاقة الصحية يمكن أن تمنح الإنسان تجربة مختلفة عما عرفه سابقًا، لكن الشريك ليس مسؤولًا عن إعادة بناء كل ما هدمته سنوات العمر.

​لا يمكن لشخص واحد أن يملأ إلى الأبد فراغًا داخليًا لا نعترف به، ولا يستطيع الحب وحده أن يعالج خوفًا عميقًا من الهجر، أو اعتقادًا راسخًا بأن الجميع سيخونوننا. هناك أوجاع تحتاج إلى احتواء.. وهناك أوجاع تحتاج إلى مواجهة وعمل حقيقي على الذات، وقد يكون طلب المساعدة المتخصصة خطوة ناضجة لا دليلًا على الضعف.

​وفي المقابل.. التعاطف لا يعني أن تتحول إلى ضحية

​هناك خطأ آخر لا يقل خطورة: أن نطلب من الطرف المتأذي أن يتحمل كل شيء لأنه «يعرف ظروف الآخر».. لا.

¤ ​يمكنك أن تفهم جرح إنسان، وترفض أذاه في الوقت نفسه.

¤ ​يمكنك أن تتعاطف معه، وتضع حدودًا.

¤ ​يمكنك أن تتمنى له الشفاء، دون أن تسمح له بأن يحولك إلى مساحة لتفريغ غضبه.

¤ ​يمكنك أن تحب شخصًا وتقول له بوضوح:

«أفهم ما مررت به، لكنني لن أقبل أن أصبح أنا ضحيته.»

هذه ليست قسوة.. هذه مسؤولية.

​المسؤولية العاطفية تبدأ من هنا

​أن تتوقف لحظة وتسأل نفسك:

* ​هل أنا غاضب من الشخص أمامي.. أم من شيء حدث لي منذ سنوات؟

* ​هل أطلب حقي.. أم أطلب من الآخر أن يعوضني عن حرمان قديم؟

* ​هل أحتاج إلى الطمأنينة.. أم أريد السيطرة؟

* ​هل أختلف معه.. أم أعاقبه لأنه ذكرني بشخص آخر؟

* ​هل أحبه فعلًا.. أم أخاف فقده إلى درجة أفسد بها العلاقة؟

​هذه الأسئلة قد تكون مؤلمة، لكنها أحيانًا أكثر فائدة من ألف اتهام للطرف الآخر.

​ رسالة وعي

​لسنا مسؤولين عن كل ما حدث لنا، لكننا مسؤولون —بقدر وعينا وقدرتنا— عما نفعله بما حدث لنا:

¤ ​إذا تعرضت للخيانة، لا تجعل كل من يأتي بعد ذلك متهمًا.

¤ ​إذا عشت الهجر، لا تجعل من يحبك أسيرًا لخوفك.

¤ ​إذا نشأت وسط الغضب، لا تعتبر الصراخ لغة طبيعية للحب.

¤ ​إذا حُرمت من الحنان، لا تجعل احتياجك سببًا لخنق من يمنحك إياه.

​تعلم أن تقول: «أنا أتألم».. بدل أن تجعل من أمامك يتألم.

تعلم أن تطلب بدل أن تختبر، وأن تتحاور بدل أن تعاقب، وأن تخاف دون أن تسيطر، وأن تختلف دون أن تهين، وأن تحب دون أن تجعل الحب ثمنًا لسلام الطرف الآخر.

​ وبالنهاية

​أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان تجاه جراحه ليس أن يخفيها، ولا أن ينكرها، وإنما أن يتحمل مسؤولية ألا يحولها إلى جراح جديدة في قلوب الآخرين.

​لا أحد اختار ما حدث لك، لكن الإنسان الناضج يستطيع أن يختار ماذا سيفعل بعده؛ فلا تدخل حياة شخص بقلب مطمئن ثم تطلب منه أن يقضي عمره في إثبات أنه ليس مثل الذين أوجعوك.

​الحب الحقيقي ليس أن تجد شخصًا يتحمل فوضاك إلى الأبد، بل أن تعمل على ترتيب ما بداخلك حتى يصبح وجودك في حياة من تحب مصدر أمان، لا امتحانًا دائمًا لقدرتهم على الاحتمال.

​لأن أجمل انتصار على الماضي… ألا تسمح له بأن يؤذي إنسانًا بريئًا جاء إليك بنية صادقة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى