مِنْ ذَاكِرَةِ القَاهِرَةِ | ٢
«حارس الذاكرة… حكاية عم خالد زكي ودكّانه العتيق»
بقلم / غادة عثمان
للقاهرة تاريخٌ ترويه المآذن والقباب، وتاريخٌ آخر تختبئ شواهده في البيوت القديمة، وبين صفحات الرسائل، وداخل الأدراج التي أُغلقت على أسرار أصحابها. تاريخٌ لم تُدوَّن وقائعه في الكتب ولم تُنقش أسماء أبطاله على الجدران، ومع ذلك فقد كان يومًا حياةً كاملة.
وفي شارع المعز حيث تتزاحم القرون على جانبي الطريق، عثرتُ على شيءٍ من ذلك التاريخ، داخل دكّانٍ صغير ازدحمت أركانه بما خلّفته أزمنةٌ متعاقبة حتى ليخيّل إلى زائره أنه دخل مخزنًا سريًّا لذاكرة المدينة.
على مقربةٍ من مسجد الحاكم بأمر الله، يقف دكّان الحاج خالد زكي، الذي يعرفه روّاد المكان بعم خالد، وقد تجاوزت معروضاته حدود المكان الضيّق، وامتدّت إلى واجهته، في مشهدٍ تتجاور فيه آلاتٌ لم يكن من المتصوَّر يومًا أن يجمعها مكانٌ واحد.
هواتف سوداء ذات أقراصٍ دوّارة، وأجهزة راديو ضخمة تستقر داخل صناديق خشبية، وآلات كاتبة، وكاميرات سينمائية، وجرامافونات عتيقة، وساعاتٌ نحاسية، وقطعٌ زخرفية تتفاوت في أعمارها وأصولها.
تبدو المعروضات للوهلة الأولى مجموعةً من المقتنيات المتناثرة، غير أن التأمّل فيها يكشف تاريخًا مصغّرًا لتحوّلات الحياة المصرية؛من عصرٍ كانت فيه أجهزة الاتصال امتيازًا محدودًا، إلى زمنٍ أصبح فيه المذياع ضيفًا دائمًا على البيوت، ثم عصر الصورة المتحركة والآلات التي اختصرت المسافات وبدّلت عادات الناس ووسائل تواصلهم.
هنا يستطيع المرء أن يتتبع ملامح حياةٍ انقضت من خلال أدواتها التي فقدت وظائفها الأصلية واحتفظت بشيءٍ من ملامح ذلك العصر.
ولكن كيف اجتمعت كل تلك الأزمنة في دكّانٍ واحد؟
تبدأ الحكاية قبل عم خالد نفسه، مع عائلةٍ ارتبط اسمها بتجارة الأنتيكات وإصلاحها عبر أجيال متعاقبة.
وبحسب ما يرويه عم خالد، تمتدّ جذور أسرته في تجارة الأنتيكات وإصلاحها إلى عام 1888،قبل أن يفتتح والده الدكّان عام 1948،لتواصل المهنة رحلتها عبر الأجيال، حاملةً معها إرثًا عائليًّا تجاوز حدود التجارة، وأصبح جزءًا من ذاكرة المكان.
نشأ خالد بين تلك المقتنيات، وتعلّم منذ صغره كيف يميّز القطع القديمة، ويفحص أعطالها، ويعيد إليها قدرتها على العمل. ومع مرور السنوات أصبحت المهنة جزءًا منحياته، لا تنفصل عن ذاكرتها لشخصية وتاريخ عائلته.
ولم تكن مهمته تقتصر على جمع التحف وعرضها للبيع؛فقدا عتاد البحث عنها في البيوت القديمة والفيلات والمزادات، حيث تنتهي أحيانًا حكاية أسرةٍ مع قطعةٍ احتفظت بها طويلًا، لتبدأ لها حكاية أخرى بين يديه.
ومن بين الحكايات التي رواها عم خالد، تبرز حكاية مذياعٍ عتيق من صناعة «جنرال إلكتريك»، قُدِّر عمره بنحو تسعين عامًا. اشتراه جدّه من تاجر أنتيكات يهودي ثم توارثته الأسرة حتى آل إليه، وظلّ محتفظًا بقدرته على العمل رغم تعاقب العقود؛ليغدو شاهدًا على تاريخ عائلةٍ تبدّلت أجيالها، وبقي هو يحمل شيئًا من ذاكرتها.
وربما تكمن فرادة هذه الحكاية في أن الجهاز لم يحتفظ بوظيفته وحدها وإنما صار شاهدًا على تاريخ عائلةٍ كاملة، تعاقبت أجيالها بينما ظل هو حاضرًا بينها. غير أن بقاء هذه المقتنيات لم يكن كافيًا لحمايتها من تبدّل قيمتها في أعين الناس.
فمع تسارع التطور التكنولوجي وانتشار الأجهزة الحديثة، تراجعت الحاجة إلى كثيرٍ من الأدوات التي شغلت يومًا مكانةً أساسية في البيوت. وما كان بالأمس مظهرًا للرفاهية والتقدّم أصبح اليوم شيئًا عتيقًا قد لا يرى فيه البعض سوى معدنٍ صدئ.
وعبّر عم خالد عن استيائه من نظرة البعض إلى تجارته بوصفها ضربًا من تجارة الخردة، مؤكدًا أن الأنتيكات تمثّل ثقافةً وتاريخًا، وليست مجرد مقتنياتٍ فقدت صلاحيتها للاستعمال.
وهنا تحديدًا تتجاوز حكاية الدكّان حدود التجارة لتلامس سؤالًا أشدّ عمقًا:
متى تفقد الأشياء قيمتها؟ حين تتوقف عن أداء وظيفتها، أم حين نتوقف نحن عن إدراك ما تختزنه من تاريخ؟
فالقطعة القديمة لا تستمد أهميتها من ندرتها أو ثمنها وحدهما، وإنما من قدرتها على الكشف عن طبيعة العصر الذي نشأت فيه؛عن ذوق الناس، وعاداتهم، وأحوالهم الاجتماعية، وما طرأ على حياتهم من تحوّلات.
وليس غريبًا أن تحتفظ المتاحف بأدواتٍ كانت في زمانها شديدة الاعتياد؛فالتاريخ لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، وإنما تصنعه كذلك التفاصيل الصغيرة التي تمرّ في حياة أصحابها دون أن ينتبهوا إلى قيمتها.
وهذا ما يمنح دكّان عم خالد خصوصيته؛فهو لا يحتفظ بمقتنياتٍ قديمة فحسب، بل يضم شواهد متفرقة على الحياة اليومية التي عرفتها القاهرة في مراحل مختلفة من تاريخها الحديث.
تأملتُ المعروضات طويلًا، وفكرتُ في ذلك التحوّل الغريب الذي يطرأ على ممتلكات الإنسان بعد غيابه؛كيف تنتقل من غرفته إلى المخازن، ومن المخازن إلى الأسواق، ثم تستقر في بيتٍ آخر وقد فقدت صلتها بأصحابها الأوائل، واكتسبت قيمةً جديدة لا يعرفون عنها شيئًا.
ولعلّ أشدّ ما يثير التأمل أن ما نعدّه اليوم جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، سيصبح يومًا أثرًا من آثارها. وأن بعض ما نقتنيه لن يدرك قيمته الحقيقية إلا أناسٌ لم يولدوا بعد، حين ينظرون إليه بوصفه شاهدًا على زمنٍ لم يعيشوه.
غادرتُ الدكّان، وبقيت صورته عالقةً في ذهني؛ذلك التزاحم العجيب بين أشياءٍ تنتمي إلى أزمنة مختلفة، جمعها رجلٌ أمضى عمره يُصلح ماأ فسده مرور الزمن، ويحفظ ما استغنى عنه الآخرون.
وفي الطريق، التفتُّ إلى المباني الأثرية التي تحيط بالمكان، وفكرتُ في أن القاهرة تحتفظ بذاكرتها على صورتين؛ذاكرةٍ عظيمةٍ تشهد لها المساجد والقصور والأسوار، وأخرى أكثر تواضعًا، تسكن في تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها أناسٌ مجهولون.
فإذا كانت آثار القاهرة تحفظ أسماء الذين شيّدوها، فإن دكّان عم خالد يحتفظ بشيءٍ من أثر الذين عاشوا فيها.
ولعلّ تلك هي الحكاية التي تستحق أن تُروى؛حكاية مدينةٍ لم يرحل ماضيها كله، وإنما تفرّق بين جدرانها، ينتظر مَن يعثر عليه، ويُنصت إلى ما تبقّى من صوت…










