أدب وثقافةقصص قصيرة

موعد هناك. بقلم الكاتبة / ڤيڤيان سمير

موعد هناك

 

بقلم الكاتبة / ڤيڤيان سمير

في خاطري لازمة موسيقية لا تفارقني، لحن قصير، يبدأ كأنه سؤال، وينتهي كأنه جواب، أسمعه في كل شيء، في صرير الباب، في وقع المطر، وحتى في دقات قلبي. لم أعرف يوما من أين جاءني، كأنه وُلد معي ثم ضل طريقه، ومع اللحن، تأتي ذكراه. ذكرى حبيب لم ألتقِ به قط، أو ربما التقيت به في مكان ما، في زمان ما، ثم نسيت.

بدأ الأمر برسالة، رسالة وصلتني خطأ، ليست لي، أو ربما كانت لي ولم أكن أعرف، بها قصيدة، قصيدة عن امرأة لا يعرفها كاتبها، عن موعد لم يقع، عن لحن يبحث عن عازفه.

كتبت إليه، وجاءني الرد: “أنت أول من ردت، كنت أكتب لصديق مجهول، وتصادف أنها امرأة. لا أعرفك، لكني أحبك منذ أن بدأت أكتب.” هكذا قال.

ومنذ ذلك اليوم، توالت الرسائل. كان يكتب إلي كل يوم، فأكتب إليه، كان شاعرا لا ينظم الشعر إنما يغنيه، يعيش في مدينة بعيدة، على ضفة بحر لم أره، يصف لي طعم الملح في هواء مدينته، وأصف له طعم القهوة في فجري، يحكي لي عن أمه التي يفتقدها، وعن رغبته في البكاء على صدرها، وعن قصيدة لم يكملها، في كل رسالة، يبعث لي بيتا من الشعر، موقعا باسمه “نون”، وكان البيت دوما يبدأ بالحرف نفسه، وأنا، في كل مرة، أرتل البيت بصوت لا يخرج من حلقي، كأنه ينزل مباشرة إلى صدري، وكنت أحكي له عن وحدتي، وعن طفولتي التي نسيتها، وعن اختناقي وقت الغروب. كنت أحفظ رسائله وأعيد قراءتها، فأنام وفي خاطري اللحن.

ولما طال بنا المراسلة، كتب لي ذات يوم: “تعالي، في أول أحد من الشهر القادم، في المقهى، الذي التقينا به في زمان ما، عند طاولتنا قرب النافذة، سأحمل وردة حمراء، لتعرفينني.”

ووعدته أن آتي. ومضى الوقت. وقرب الموعد، وصلتني رسالة، كانت قصيرة، كتب فيها: “أحبك. إني لم ألتقِ بك بعد، لكني أحبك، وإن لم نلتقِ في هذا اليوم، سألتقيك في الأسبوع الذي يليه، وفي كل أحد حتى ينفد العمر.”

ومضيت إلى المقهى يوم الأحد، جلست عند الطاولة قرب النافذة، مددت يدي تحت الطاولة، فإذا بي أجد صندوقا صغيرا من خشب أسود، ومفتاحه الصغير في طرفه، أدرت المفتاح، فانسكب اللحن. اللحن هو اللازمة التي كانت تلازمني طوال عمري، اللحن الذي كنت أسمعه في كل صوت حولي، اللحن الذي لم أعرف من أين أتى. كان اللحن، في أخر المطاف، قد أتى منه.

وجلست عند الطاولة، والصندوق على ركبتي، واللحن يدور في دوراته الصغيرة، وانتظرت. كان انتظاري طويلا، ولم يأتِ أحد. لكن اللحن كان يقول، في كل دورة، إنه قادم.

ثم جاء صوت من خلفي، صوت هامس، يحمل في خلفيته ذلك اللحن نفسه، قال: “عُدت إليكِ، كما وعدتك.”. التفت، لم يكن هناك أحد، لكني أحسست بأن يدا قد وضعت على كتفي، وأن شفتين قبلتا شعري برفق من لا يريد أن يوقظ نائما، وباللحن ينسل إلى صدري، ليسكن في القلب الذي كان يتباطأ. ومنذ تلك اللحظة، صار اللحن لا يأتي من خارجي، بل من داخلي، صار قلبي يدق اللحن. ومضى وقت لا أحصيه، وذات لحظة، سمعت صوتا آخر، غير صوته، صوت امرأة. بعيد كأنه يأتي من قاع بئر، يناديني باسمي، الصوت دافئا مرتجفا، يقول كلمات لم أفهمها كلها عن طريق طويل، وعن مقعد خلفي، وعن باقة زهور حمراء لم تُسلَم. وكان الصوت يرجوني أن أبقى.

نظرت إلى يدي، فلم أجد فيهما صندوقا ولا مفتاحا، وجدت وردة حمراء وحيدة، هي كل ما نجا من باقة كاملة، رفعت عينيّ فلم يكن هناك أحد، ولا نافذة، ولا مقهى، ولا أيام. لكن اللحن بقي يدور في صدري ببطء، ثم أبطأ، كمن يوشك أن يبلغ أخر الجملة التي بدأها منذ زمن، ذاك اللحن الذي لم يكن قط، ذاك اللحن الذي ابتكره قلب ليودع شيئا لم يعرفه.

وعرفت، بيقينٍ هادئ لا يشوبه حزن، أن الرسائل كانت يوما تكتب نفسها في روحي وهي تذوب، وأن في الموضع الذي يؤول إليه كل لحن حين ينتهي، ثمة طاولة قرب نافذة، وفنجانان، وساعة توقفت عند موعد اللقاء في مكان لا موعد فيه، نلتقي هناك، إذ كل المواعيد فيه قد حانت.

ورأيت يدا تمتد لتغطيني بورود بيضاء كثيرة، ولم أسأل لمن تكون.

زر الذهاب إلى الأعلى