
التفاحة والثمن الخفي
بقلم: د. محمد أبو شنب
”أكانت التفاحة بتلك اللذة لنتحمل كل هذا الشقاء يا آدم؟”
قد يبدو السؤال قديما، لكنه في الحقيقة يتكرر كل يوم بأشكال مختلفة.
ربما لم يكن الشقاء ثمن التفاحة نفسها، بل ثمن تلك اللحظة التي ظن فيها الإنسان
أن رغبة عابرة تستحق أن يتجاوز من أجلها كل التحذيرات، وأن
يتجاهل صوته الداخلي الذي
كان يخبره أن الطريق ليس آمنًا كما يبدو.
ومنذ ذلك الحين، ما زلنا نعيش القصة ذاتها، لكن بأسماء مختلفة
فمنا من يجد تفاحته في شخص يعلم جيدا أنه لا يناسبه
لكنه يقترب رغم كل الإشارات الواضحة.
ومنا من يجدها في قرار يعرف عواقبه مسبقا، لكنه
يراهن على أن تكون النهاية مختلفة
ومنا من يراها في شهوة مؤقتة أو رغبة لحظية، ثم
يكتشف أن دقائق من اللذة قد تكلفه سنوات من الندم.
ومن منظور الصحة النفسية، ليست المشكلة دائما في الرغبة،
فالرغبات جزء طبيعي من تكوين الإنسان. لكن المشكلة الحقيقية
تكمن في تجاهل العواقب،
وفي قدرتنا أحيانا على إقناع أنفسنا بأن الثمن لن يكون كبيرا،
أو أن القواعد وضعت للآخرين فقط.
كثير من القرارات التي غيّرت مسار حياة أصحابها لم تبدأ بكارثة،
بل بدأت بلحظة بسيطة جدا، لحظة قال فيها الإنسان لنفسه
لن يحدث شيء
ثم حدث كل شيء
إن النضج النفسي لا يظهر في قدرتنا على الحصول
على ما نريده، بل في قدرتنا على
التمييز بين ما نريده الآن، وما سنحتاج إليه لاحقا.
فليست كل لذة تستحق الاقتراب.
وليست كل رغبة تستحق المطاردة.
وليست كل فرصة تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها.
أحيانا تكون الشجاعة في الانسحاب لا في الاستمرار
وأحيانا تكون الحكمة في الرفض لا في القبول
وأحيانا تبدأ النجاة كلها من كلمة صغيرة جدا
لا
لأن أخطر ما في التفاحة ليس طعمها…
بل الثمن الذي لا يظهر إلا بعد أول قضمة.





