ماذا فعلت مكة بعد الحبشة؟
بقلم / محمد مصطفى كامل
هناك لحظات في التاريخ لا تقع فيها المعارك، ومع ذلك تكون أخطر من كثير من الحروب. لحظات يبدو فيها كل شيء ساكنًا على السطح، بينما تتحرك في الأعماق قوى قادرة على تغيير مصير أمة كاملة.
فالتاريخ لا يُصنع دائمًا يوم تُرفع السيوف، بل كثيرًا ما يُصنع في الأيام التي تسبقها. في الأيام التي تتراكم فيها المخاوف. وتُراجع فيها مراكز القوة حساباتها. وتدرك فيها الأنظمة أن ما كانت تراه مشكلة عابرة بدأ يتحول إلى واقع جديد لا يمكن تجاهله.
وفي مكة، بعد الهجرة إلى الحبشة، دخلت الأحداث واحدة من أكثر مراحلها حساسية وغموضًا. فلا قريش استطاعت القضاء على الدعوة. ولا المؤمنون تراجعوا عنها. ولا المهاجرون عادوا من غربتهم. ولا الزمن سار كما أراد سادة مكة.
كانت مكه كلها تعيش حالة ترقب صامت. ترقب بين فكرة تزداد حضورًا رغم كل محاولات إيقافها، وقوة تقليدية بدأت تكتشف أن وسائلها القديمة لم تعد تحقق النتائج التي اعتادت عليها.
ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة في تاريخ الصراع. مرحلة لم تكن عنوانها المواجهة المباشرة، بل القلق. قلق النخبة المكية من المستقبل. وقلقها من اتساع دائرة الدعوة. وقلقها من أن يتحول ما يحدث داخل مكة إلى أمر يتجاوز حدودها كلها.
في هذا الفصل من التاريخ لن نتابع رحلة المهاجرين وراء البحر، بل سنعود إلى مكة نفسها… إلى المدينة التي بقيت واقفة في مكانها ظاهريًا، بينما كانت تحت أقدامها تتشكل الأحداث التي ستقود قريبًا إلى واحدة من أشد الأزمات التي عرفتها قريش في تاريخها.
قبل أن تكتب قريش وثيقة الحصار… كيف بدت مكة بعد فشلها في إيقاف الدعوة؟
هناك مراحل في التاريخ لا تُقاس بما وقع فيها من أحداث ظاهرة، بل بما تراكم فيها من مخاوف وأسئلة وصراعات صامتة.
فالأمم لا تنتقل من التسامح إلى القمع فجأة، ولا من الخلاف إلى المواجهة الشاملة في ليلة واحدة، بل تمر بفترات حرجة يتغير فيها ميزان التفكير داخل مراكز القوة، وتبدأ النخب الحاكمة في الشعور بأن ما كانت تراه مشكلة صغيرة يتحول تدريجيًا إلى تهديد أكبر من قدرتها على الاحتواء.
وفي تاريخ مكة، كانت السنوات التي أعقبت الهجرة إلى الحبشة واحدة من تلك الفترات الاستثنائية. ففي الظاهر كانت قريش لا تزال سيدة المدينة، تسيطر على التجارة والبيت الحرام وتحالفات القبائل، لكن خلف هذا المشهد كانت تواجه حقيقة لم تعهدها من قبل .
أن الدعوة التي حاولت خنقها لم تختفِ. وأن المؤمنين الذين عُذبوا لم يتراجعوا. وأن الذين خرجوا من مكة وجدوا لأنفسهم مكانًا آمنًا خارج سلطانها. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة. مرحلة القلق. حين بدأت قريش تشعر أن الزمن لا يعمل لصالحها.
مكة بعد الحبشة
عادت قريش من الحبشة بخيبة لم تكن تتوقعها. فوفدها عاد. وهداياها رودت . أما المهاجرون فبقوا في مكانهم. وكان ذلك حدثًا أكبر مما يبدو لأول وهلة. لأن قريش كانت معتادة على أن تُطاع داخل الجزيرة. وكان نفوذها الاقتصادي والديني يمنحها وزنًا كبيرًا بين القبائل.
لكنها اكتشفت لأول مرة أن هناك مساحة من العالم لا تستطيع أن تفرض عليها إرادتها. وكان هذا تطورًا مقلقًا. ليس بسبب عدد المهاجرين. بل بسبب المعنى الذي يحمله بقاؤهم هناك. فالدعوة أصبحت تملك ملاذًا خارج مكة. وهو أمر لم يكن موجودًا في السنوات السابقة.
الدعوة التي لم تمت
كانت حسابات زعماء مكة بسيطة في البداية. بعض الضغط. بعض التعذيب. بعض المقاطعة الاجتماعية. ثم يعود الناس إلى دين آبائهم. لكن الواقع سار في اتجاه مختلف. فكلما ازداد الضغط ازداد عدد المؤمنين. وكلما اشتدت المواجهة ازدادت شهرة الدعوة.
وأصبح اسم محمد صل الله عليه وسلم يُذكر في المجالس والأسواق والقبائل أكثر مما كان يُذكر قبل سنوات. وهنا بدأت المشكلة الحقيقية. لم تعد القضية قضية أفراد متفرقين. بل قضية فكرة. والأفكار لا تُسجن كما يُسجن البشر. انقسام داخل المجتمع المكي في هذه المرحلة لم تكن مكة كتلة واحدة. فالمشهد كان أكثر تعقيدًا مما تصوره الروايات المختصرة.
كان هناك معسكر يرفض الدعوة رفضًا كاملًا. وكان هناك من يعارضها لكنه يرفض الظلم الواقع على أصحابها.
وكان هناك من يراقب بصمت دون أن يحسم موقفه. وكان هناك من بدأ يتعاطف مع الرسالة الجديدة سرًا. ومع مرور الوقت أصبح الانقسام أكثر وضوحًا. فلم تعد القضية دينية فقط. بل أصبحت قضية اجتماعية وسياسية أيضًا. لأن استمرار الصراع بدأ يؤثر على تماسك المجتمع نفسه.
الحمية القبلية تدخل المعركة
في الجزيرة العربية لم تكن القبيلة مجرد انتماء اجتماعي. بل كانت نظام حماية كاملًا. ولهذا لم يكن استهداف رجل من بني هاشم مسألة سهلة. حتى لو اختلفت معه القبيلة في الرأي. ومن هنا بدأت قريش تصطدم بعقبة جديدة. فهي تريد إيقاف الدعوة. لكنها لا تريد إشعال حرب داخلية بين بطون مكة. ولهذا ظلت تتحرك بحذر. غير أن ذلك الحذر كان يتآكل مع الوقت. كلما شعرت أن الدعوة تزداد انتشارًا.
الإسلام خارج حدود مكة
في الوقت نفسه كانت الأخبار تأتي من الحبشة. والمهاجرون هناك يعيشون في أمان نسبي. وهذا وحده كان كافيًا لإثارة قلق قريش. لأن الأفكار حين تجد مكانًا آمنًا للنمو تصبح أكثر قدرة على البقاء. وللمرة الأولى بدأت الدعوة الإسلامية تمتلك وجودًا خارج البيئة المكية. وجودًا صغيرًا،لكنه مهم. لأن التاريخ كثيرًا ما يبدأ تحولات كبرى من مجموعات صغيرة ظن الجميع أنها لن تصنع شيئًا.
منطق القوة يصل إلى طريق مسدود
بعد سنوات من الضغط والملاحقة بدأت بعض قيادات مكة تطرح سؤالًا صعبًا ! إذا كان التعذيب لم ينجح، وإذا كانت المقاطعة الفردية لم تنجح، وإذا كانت محاولات استرداد المهاجرين من الحبشة قد فشلت، فما الخطوة التالية؟ وهنا بدأت الأفكار الأكثر تشددًا تظهر. أفكار لا تستهدف الأفراد هذه المرة. بل البيئة الحاضنة لهم. وكانت الأنظار تتجه شيئًا فشيئًا نحو بني هاشم. القبيلة التي ما زالت توفر غطاءً اجتماعيًا للنبي صل الله عليه وسلم رغم اختلاف كثير من أفرادها معه.
بداية الطريق إلى الحصار
لم يكن حصار المسلمين قرارًا وُلد في يوم واحد. بل كان نتيجة سنوات من الإحباط والفشل في احتواء الدعوة. فكل وسيلة جُربت لم تحقق الهدف المطلوب. ومع كل محاولة كانت قريش تشعر أنها تخسر جزءًا من قدرتها على السيطرة على الأحداث. ولهذا بدأت فكرة جديدة تتشكل في المجالس المغلقة. إذا كانت الدعوة لا يمكن عزلها عن صاحبها فليُعزل صاحبها ومن يحميه عن المجتمع كله.
وهكذا أخذت مكة خطواتها الأولى نحو القرار الذي سيُدخلها واحدة من أكثر مراحلها قسوة. في تلك السنوات الهادئة ظاهريًا، كانت مكة تتحرك نحو منعطف خطير. فالمهاجرون في الحبشة بقوا آمنين. والدعوة بقيت حية. والقبائل بدأت تسمع عنها أكثر من أي وقت مضى.
أما قريش فكانت تكتشف بالتدريج أن القوة التي أخضعت الناس طويلًا لم تعد كافية لإيقاف فكرة آمن بها أصحابها إلى هذا الحد. وكان ذلك الإدراك هو الشرارة التي دفعت زعماءها إلى قرار غير مسبوق. قرار لم يستهدف رجلًا واحدًا. ولا جماعة صغيرة. بل استهدف قبيلة كاملة.قرار سيحوّل الخلاف الفكري إلى حصار اقتصادي واجتماعي شامل.
وهكذا اقتربت مكة من الفصل الأكثر قسوة في تاريخها قبل الهجرة. الفصل الذي ستُكتب فيه وثيقة على جدار الكعبة وتُغلق فيه الأبواب في وجه رجال ونساء وأطفال لسنوات طويلة. فكيف بدأت تلك المقاطعة؟ وكيف صمد المحاصرون وسط الجوع والعزلة؟ ولماذا انتهى الحصار بطريقة لم يتوقعها أحد؟ ذلك ما سنكشفه في المقال القادم إن شاء الله ، الحصار الذي دام ثلاث سنوات حاولت فيها مكة تجويع الفكرة حتى تموت.




