أحمد علي البيطار يقرأ «قصائد المغتربين» لخالد العجمي: اغتراب الذات وحنين الذاكرة».

قراءة وتحليل نقدي. بقلم الكاتب والأديب والناقد السوري “أحمد علي البيطار” لقصيدة «قصائد المغتربين»
للشاعر المتألق« خالد العجمي»

يبدأ الناقد أحمد علي البيطار قراءته النقدية بهذه الرؤية العميقة قائلاً:
“هذه القصيدة تكتب وجع الاغتراب لا بوصفه مكانًا جغرافيًا، بل حالة داخلية ممتدة، كأن الشاعر لا يغترب عن وطنه فقط، بل عن ذاته أيضًا. النص يقوم على مفارقة أساسية: العجز الظاهري («لا أتقن») يقابله امتلاء داخلي شديد الحساسية، حتى يبدو أن هذا «العجز» هو في الحقيقة شكل آخر من أشكال الصفاء.
فمنذ المطلع، يضعنا الشاعر أمام ثنائية الطفولة والعالم:
«لا أتقن الكلام إلا مع الأطفال
ولا أتقن الغناء إلا مع العصافير»
وهنا تتجلى نزعة الانسحاب من العالم الصاخب إلى كائنات نقية: الطفل والعصفور. هذا ليس هروبًا بقدر ما هو احتجاج صامت على عالم فقد براءته. الشاعر لا يفشل في التواصل، بل يختار مستوى أنقى من اللغة.
ثم ينتقل إلى صورة لافتة:
«حاولت أن تبتلع الغمام كي أتذكر»
الصورة هنا سريالية، لكنها محمّلة بدلالة عميقة؛ فالغمام يرمز إلى النسيان أو التلاشي، وابتلاعه محاولة لاستعادة الذاكرة. وكأن التذكر فعل مقاومة، وليس مجرد استرجاع.
وأجمل ما في النص ذلك المقطع الذي يستحضر الجذور الأولى للهوية:
«سرقت من أمي ملامحها
ومن أبي قلبًا لا يموت»
فالسرقة هنا ليست جرمًا، بل وراثة شعورية. الأم ترمز إلى الحنان والملامح والحنين، بينما يرمز الأب إلى الصمود والقوة. ومن خلال هذه الثنائية يبني الشاعر هويته، ولكن بصيغة «السرقة» التي توحي بشعور خفي بالفقد أو بالافتقاد إلى الأصل.”
وإليكم نص القصيدة:
«قصائد المغتربين»
لا أتقن الكلام
إلا مع الأطفال
ولا أتقن الغناء
إلا مع العصافير
من لطفها
حاولت أن تبتلع الغمام
كي أتذكر..
أذكر أنني سرقت
ذات بداية
من أمي ملامحها
ومن أبي قلبًا لا يموت
كذلك لا أجيد الرقص
إلا على أوتار المسافة
سرقت الزغاريد
من خمائل الأشعار
لأكتب قصائد المغتربين
أحب شقائق النعمان
تذكرني بأمي
وهي تهديني عقدها الحنين
وأنا أمشي..
استوقفتني الفراشات
وهي مثقلة بألوان الوداع
وقطر الندى الهادئ
سقط على جبين العمر
ها أنا الآن..
أرحل من غير وجهة
وترحل معي كل الغيمات
تحمل في طياتها
حكايتك وحكايتي
وحكاية قلب اغترب
لا أجيد البكاء
حاولت أن أكون تلقائيًا
كما قلت ذات زمن
لكن الدموع تخون
كما خان وعد الأحلام
بقلم: خالد العجمي



