مقالات
أخر الأخبار

أخطر اللحظات وأعمقها.. بقلم /محمد مصطفي كامل

أخطر اللحظات وأعمقها

بقلم /محمد مصطفي كامل

هناك لحظات في التاريخ تُقاس فيها قوة الأمم بما تمتلكه من جيوش.
ولحظات أخرى تُقاس بما تمتلكه من ثروات.

لكن أخطر اللحظات وأعمقها هي تلك التي تُقاس بقدرتها على تجاوز أزماتها الكبرى.
فالتاريخ لا يتذكر كثيرًا كيف بدأت الدول، بقدر ما يتذكر كيف نجت عندما ظن الجميع أنها على وشك السقوط.

ولعل السنوات التي تلت رحيل النبي صلى الله عليه وسلم كانت من تلك اللحظات الفاصلة التي لا تتكرر كثيرًا في حياة الأمم.

فبينما كان العالم القديم ينظر إلى الجزيرة العربية باعتبارها منطقة خرجت منها قوة جديدة لن تلبث أن تتفكك، كانت الأحداث تستعد للكشف عن حقيقة مختلفة تمامًا.

حقيقة أن الرسالات العظيمة لا تنتهي برحيل أصحابها. وأن الأفكار التي تنجح في صناعة الإنسان تستطيع أن تصنع التاريخ أيضًا.

ومن هنا تبدأ قصة الانتقال الأكبر
من معركة البقاء إلى معركة التأثير.
ومن الدفاع عن الدولة إلى إعادة رسم خريطة العالم.

**حين خرجت الدولة من حدود الجزيرة
كيف تحولت أمة كانت تقاتل من أجل البقاء إلى قوة غيّرت موازين العالم؟
سلسلة التاريخ من وراء الستار**

عبر التاريخ كانت الإمبراطوريات الكبرى تنظر إلى نفسها باعتبارها مراكز العالم.

وكانت الشعوب الأخرى تدور في فلكها.
ففي الشرق وقفت الإمبراطورية الفارسية الساسانية كواحدة من أعظم القوى السياسية والعسكرية التي عرفها التاريخ.

وفي الغرب والشمال تمددت الإمبراطورية البيزنطية على مساحات واسعة من الأرض، حاملة إرث روما وهيبتها ونفوذها.
أما الجزيرة العربية فلم تكن في نظر تلك القوى سوى هامش بعيد.
صحراء مترامية الأطراف.
وقبائل متفرقة.

وأرض لا يُنتظر منها أن تصنع الأحداث الكبرى.
لكن التاريخ كان يستعد لمفاجأة لم يتوقعها أحد.
فبعد أن انتهت حروب الردة واستعادت الدولة الإسلامية وحدتها، لم يعد التحدي هو حماية المدينة أو الحفاظ على تماسك الجزيرة.
لقد نجحت الدولة في اجتياز أخطر اختبار داخلي واجهته منذ تأسيسها.
وأثبتت أنها لم تكن مشروعًا مؤقتًا مرتبطًا بحياة قائد واحد.

وهنا ظهر سؤال جديد.
ماذا بعد؟
هل تكتفي الدولة بما وصلت إليه؟
أم أن الرسالة التي خرجت من مكة والمدينة تحمل أفقًا أوسع من حدود الجزيرة؟

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يدرك أن بقاء الدولة في حالة دفاع دائم ليس ضمانًا للاستقرار.
فالقوى الكبرى المحيطة بالجزيرة لم تكن تنظر بعين الرضا إلى صعود القوة الجديدة.

وكانت بعض القبائل الحدودية لا تزال تتأثر بنفوذ فارس وبيزنطة.
ولهذا بدأت الدولة تتحرك خارج حدودها لأول مرة بصورة منظمة ومدروسة.

لم يكن الهدف مجرد فتح أراضٍ جديدة.
ولا البحث عن الثروات كما تفعل كثير من الإمبراطوريات.
بل كان الأمر مرتبطًا برؤية أوسع.
رؤية تعتبر أن الرسالة التي جمعت العرب قادرة على مخاطبة العالم كله.
وفي تلك المرحلة بدأت طلائع الجيوش الإسلامية تتجه نحو العراق والشام.

ولم يكن أحد يتوقع أن هذه الجيوش الصغيرة نسبيًا ستقف في مواجهة أكبر قوتين عرفهما ذلك العصر.
فالمقارنة على الورق كانت تبدو محسومة.

إمبراطوريات تملك المال والخبرة والجيوش الضخمة.
في مواجهة دولة ناشئة لم يمض على تأسيسها سوى سنوات قليلة.
لكن التاريخ لا يُكتب دائمًا بالحسابات التقليدية.

فثمة عوامل لا تظهر في سجلات الأعداد.
الإيمان بالفكرة.
ووضوح الهدف.
والقيادة القادرة على تحويل التحديات إلى فرص.
وكان المسلمون يحملون شيئًا لم تستطع القوى الكبرى فهمه في البداية.
لقد كانوا يقاتلون بعقلية مختلفة.
فالجندي المسلم لم يكن يرى نفسه مجرد مقاتل في جيش.
بل جزءًا من رسالة أكبر من حياته الشخصية.

ولهذا بدأت النتائج الأولى تثير دهشة الجميع.
انتصارات متتابعة.
وتقدم سريع.
وتراجع غير متوقع لقوى كانت تبدو عصية على الهزيمة.
وفي العراق بدأت الدولة الفارسية تشعر أن الخطر الجديد ليس مجرد غارة حدودية عابرة.

وفي الشام بدأت بيزنطة تدرك أن ما يحدث أكبر من تمرد محلي أو حركة قبلية مؤقتة.
لقد ظهرت قوة جديدة على المسرح الدولي.

قوة خرجت من قلب الصحراء لتفرض نفسها على معادلات العالم القديم.
وكانت المفارقة المدهشة أن الدولة التي كادت تواجه التفكك الداخلي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أصبحت الآن تتقدم بثقة نحو أعظم إمبراطوريات عصرها.

وهنا بدأت مرحلة جديدة من التاريخ.
مرحلة لم تعد فيها الجزيرة العربية هي مركز الأحداث وحدها.

بل أصبح الشرق الأوسط بأكمله ساحة لتحولات كبرى.
تحولات ستسقط عروشًا.
وتغير خرائط.
وتفتح أبواب عصر جديد.
لكن الطريق لم يكن سهلًا.
ففي الأفق كانت تنتظر المسلمين معارك ستُعد لاحقًا من أعظم معارك التاريخ.

معارك لن تحدد مصير دولة فقط.
بل ستحدد مصير حضارات بأكملها.
وفي مقدمة تلك المعارك كانت هناك مواجهة تقترب شيئًا فشيئًا.
مواجهة بين قوة ناشئة تحمل مشروعًا جديدًا للعالم.
وإمبراطورية فارسية حكمت المنطقة قرونًا طويلة.

وكان التاريخ يستعد لكتابة فصل استثنائي.
فصل سيحمل عنوانًا مدويًا
حين سقطت فارس
كيف انهارت إحدى أعظم إمبراطوريات العالم أمام المسلمين؟

زر الذهاب إلى الأعلى