الحكم المستنصر بالله
الخليفة الذي جعل قرطبة منارة العلم في الغرب الإسلامي
بقلم / محمد مصطفى كامل
الخليفة الذي جعل قرطبة منارة العلم.
ليست أعظم المدن هي التي ترتفع فيها الأسوار بل التي ترتفع فيها العقول. فقد تستطيع دولةٌ أن تُرهب أعداءها بجيوشها، لكن هيبتها لا تكتمل إلا حين يأتيها الناس طوعًا، لا خوفًا… بل طلبًا للعلم.
وهكذا كانت قرطبة في عهد الحكم المستنصر بالله. فحين ورث الحكم الخلافة عن أبيه عبد الرحمن الناصر، لم يرث دولةً مهددة بالسقوط، ولا خزائن خاوية، ولا جيشًا منهكًا. بل ورث أقوى دولة عرفها الغرب الإسلامي.
وكان يستطيع أن يكتفي بالحفاظ على هذا المجد. لكن الرجال العظام لا يكتفون بحراسة ما بناه آباؤهم بل يضيفون إليه.
ولذلك، لم يشتهر الحكم المستنصر بكثرة المعارك، كما اشتهر أبوه. ولم يخلد اسمه لأنه وسع حدود الدولة. بل لأنه وسّع حدود المعرفة.
حتى أصبحت قرطبة، في أيامه، مدينةً تُقاس عظمتها بعدد الكتب التي تضمها، كما تُقاس قوة غيرها بعدد الجنود الذين يقفون على أسوارها.
الحكم المستنصر بالله
الخليفة الذي جعل قرطبة منارة العلم في الغرب الإسلامي
حين تولى الحكم المستنصر بالله الخلافة سنة 350هـ/961م، كانت الأندلس تعيش أزهى أيامها.
فقد ترك له والده دولةً موحدة، وجيشًا قويًا، وخزانةً عامرة، وإدارةً مستقرة، وهيبةً جعلت الملوك يرسلون وفودهم إلى قرطبة طلبًا للصداقة، أو اتقاءً لسطوتها.
وكان كثير من الحكام إذا ورثوا مثل هذه الدولة، انصرفوا إلى حياة الترف. أما الحكم. فانصرف إلى الكتب.
ومنذ شبابه، عُرف بولعه الشديد بالقراءة، حتى قيل إنه كان يطالع الكتب بنفسه، ويكتب ملاحظاته على هوامش بعضها، ويتابع أخبار المؤلفين، ويحرص على اقتناء كل كتاب جديد يصل إلى المشرق أو المغرب.
ولم يكن هذا شغفًا شخصيًا فحسب. بل تحول إلى سياسة دولة. فأرسل وكلاءه إلى بغداد، ودمشق، والقاهرة، والقيروان، والإسكندرية، وغيرها من حواضر العلم، ليشتروا الكتب والمخطوطات النادرة، مهما بلغت أثمانها.
وكان بعضهم يقيم سنوات كاملة في تلك المدن، ينتظر ظهور كتاب جديد، ثم يرسله إلى قرطبة قبل أن تنتشر نسخه في غيرها.
وهكذا لم تعد قوافل التجارة تحمل الحرير والتوابل وحدها. بل أصبحت تحمل أيضًا أثمن ما تملكه الأمم ،العلم.
وفي عهده، بلغت المكتبة الأموية في قرطبة منزلةً جعلها المؤرخون من أعظم مكتبات العالم في ذلك العصر.
وتذكر المصادر أرقامًا كبيرة لعدد ما ضمته من الكتب، وإن كانت هذه الأرقام محل نقاش بين الباحثين، إلا أنهم يتفقون على أنها كانت من أضخم خزائن الكتب في العالم الإسلامي، وأن فهارسها وحدها كانت تمتد في مجلدات عديدة، وهو ما يعكس حجم الحركة العلمية التي شهدتها الأندلس.
ولم تكن تلك الكتب حبيسة الرفوف. بل كانت تُقرأ، وتُنسخ، وتُناقش، وتنتقل بين العلماء وطلاب العلم، حتى أصبحت قرطبة مدينةً يعيش فيها الكتاب كما يعيش الناس.
وهكذا بدأت الأندلس تدخل عصرًا جديدًا. عصرًا لا تقاس فيه عظمة الدولة باتساع حدودها فقط ،بل باتساع مكتباتها أيضًا. لكن الكتب وحدها لا تصنع نهضة.
فكيف تحولت قرطبة إلى مدينة يقصدها العلماء من أنحاء العالم الإسلامي؟
لم يكن الحكم المستنصر بالله يجمع الكتب ليزين بها خزائن القصور،بل كان يؤمن أن الكتاب هو السلاح الذي يبني الأمم كما يبنيها السيف.
فإذا كان والده عبد الرحمن الناصر قد وحّد البلاد وأقام هيبة الدولة، فإن الحكم أراد أن يجعل من تلك الهيبة بيئةً يزدهر فيها العلم، ويجد فيها العلماء الأمن والرعاية والتقدير.
ولهذا، لم تقتصر عنايته على شراء الكتب والمخطوطات. بل عمل على بناء حركة علمية متكاملة.
فازدادت دور النسخ والوراقة، وامتلأت أسواق قرطبة بالوراقين والخطاطين، وتحولت صناعة الكتاب إلى مهنة مزدهرة، يعمل فيها النساخ والمجلدون والمزخرفون، حتى أصبح اقتناء الكتب ونسخها جزءًا من الحياة الثقافية في المدينة.
وكانت خزائن القصور، والمساجد، ومجالس العلماء، تتبادل الكتب كما تتبادل الدول الهدايا.
وأصبحت قرطبة مقصدًا للعلماء القادمين من المشرق والمغرب، يدرسون ويُدرّسون، ويحملون معهم علومًا جديدة، ثم يعودون إلى أوطانهم وقد حملوا من الأندلس علمًا آخر، فتشكلت بذلك شبكة علمية ربطت جناحي العالم الإسلامي. ولم يكن الاهتمام مقتصرًا على علوم الدين وحدها.
فقد ازدهرت علوم الفقه، والحديث، واللغة، والنحو، والأدب، والتاريخ، كما وجد الطب، والفلك، والحساب، والهندسة، مكانها في الحياة العلمية، مستفيدين من التراث العلمي الإسلامي الذي ازدهر في بغداد وغيرها، ثم أضاف علماء الأندلس إليه ما يناسب بيئتهم وتجاربهم.
وكان الحكم المستنصر يحرص على تقريب العلماء، لا لأنهم يزينون مجلس الخليفة، بل لأنه كان يرى أن ازدهار الدولة يبدأ بازدهار الفكر.
ولهذا، أصبحت مجالس قرطبة ملتقى للفقهاء، والأدباء، والشعراء، والأطباء، واللغويين، يدور فيها الحوار والمناظرة، في بيئة يسودها الاحترام والتقدير.
ولم يكن أثر هذه النهضة محصورًا داخل أسوار قرطبة. فقد امتد إلى مدن الأندلس الكبرى، مثل إشبيلية، وطليطلة، وسرقسطة، وبلنسية، حيث انتشرت حلقات العلم، وازداد عدد المدارس والمساجد التي تؤدي دورًا تعليميًا، وأصبحت المعرفة جزءًا من هوية المجتمع الأندلسي.
وفي الوقت نفسه، شهدت قرطبة ازدهارًا عمرانيًا واقتصاديًا يعكس استقرار الدولة. فامتدت الأحياء الجديدة، واتسعت الأسواق، وكثرت الجسور والحمامات العامة، ونشطت الصناعات الدقيقة، مثل صناعة الورق، والمنسوجات، والجلود، والمعادن، وأصبحت التجارة تربط الأندلس بالمغرب، وبلاد الفرنجة، وسواحل البحر المتوسط، بل وبالمشرق الإسلامي.
ولم تكن هذه النهضة الاقتصادية منفصلة عن النهضة العلمية.
فالدولة التي يزدهر اقتصادها تستطيع أن تنفق على التعليم، وأن تدعم العلماء، وأن تنشئ المكتبات، وأن توفر بيئة يعيش فيها الفكر آمنًا.
ومن هنا، أصبحت قرطبة في عهد الحكم المستنصر أشبه بجسرٍ يصل بين حضارة المشرق الإسلامي وحضارة أوروبا الناشئة.
فبينما كانت بغداد لا تزال منارةً للعلوم في الشرق، كانت قرطبة تؤدي الدور نفسه في الغرب، حتى إن طلاب العلم، والدبلوماسيين، والرحالة، أخذوا ينقلون إلى أوروبا صورةً مبهرة عن مدينة امتلأت بالكتب، والعلماء، والعمران، والنظام.
لكن كما هي سنة التاريخ دائمًا،فإن الحضارات تبلغ ذروتها قبل أن تبدأ التحديات الكبرى في الظهور.
ولم يكن الحكم المستنصر يدرك أن الدولة التي بلغت في عهده قمة مجدها، ستواجه بعد رحيله اختبارًا من أصعب ما عرفته الأندلس.
اختبارًا سيبدأ بطفلٍ يجلس على عرش الخلافة وينتهي برجلٍ سيحكم باسم ذلك الطفل، ويصبح اسمه أشهر من اسم الخليفة نفسه.
ذلك الرجل،هو محمد بن أبي عامر.
لم يكن أعظم ما تركه الحكم المستنصر بالله وراءه،قصرًا فخمًا،ولا خزائن عامرة،ولا جيشًا قويًا.
بل دولةً بلغت من القوة والاستقرار ما جعلها إحدى أعظم دول العالم في القرن الرابع الهجري.
ففي عهده، أصبحت قرطبة مدينةً يلتقي فيها التاجر القادم من أقصى المشرق بالعالم القادم من القيروان، والدبلوماسي القادم من أوروبا بالفقيه والأديب والطبيب.
ولم تعد الأندلس تُعرف بأنها آخر أطراف العالم الإسلامي،بل أصبحت أحد مراكزه الكبرى.
كانت خزائنها ممتلئة، وأسواقها عامرة، وجيشها مهيبًا، وأسطولها يحمي سواحلها، ومكتباتها تضم من الكنوز العلمية ما جعلها قبلةً لطلاب المعرفة.
وكانت الدولة تمتلك إدارة قوية، ونظامًا ماليًا متينًا، وقضاءً مستقرًا، وحياةً علمية قلّ أن اجتمعت بهذا الثراء في مكان واحد.
ولهذا، ينظر كثير من المؤرخين إلى عهد الحكم المستنصر بوصفه الذروة الحضارية للدولة الأموية في الأندلس.
لكن التاريخ يحمل دائمًا مفارقاته. فقد يحدث أن تبلغ الدولة قمة مجدها،في اللحظة نفسها التي تبدأ فيها بذور التغيير تتشكل في الخفاء. لم يكن ذلك بسبب ضعف الحكم المستنصر،بل لأن القدر لم يمهله طويلًا.
فعندما توفي سنة 366هـ/976م، ترك وراءه وريثًا صغير السن، هو هشام المؤيد بالله، لم يكن قد بلغ من العمر ما يؤهله لإدارة واحدة من أعظم دول عصره.
وهنا بدأت مرحلة جديدة تمامًا. فلم يعد السؤال: كيف تُبنى الحضارات؟ بل أصبح كيف تحافظ الحضارات على نفسها عندما يغيب القائد القادر على إدارتها؟
وفي أروقة قصر الخلافة، بدأت موازين القوى تتحرك بهدوء. الوزراء يتنافسون. وقادة الجيش يراقبون. وكبار رجال الدولة يبحث كل منهم عن موقعه في العهد الجديد.
ومن بين هؤلاء جميعًا كان هناك رجل لا ينتمي إلى البيت الأموي، لكنه يمتلك طموحًا استثنائيًا، وذكاءً سياسيًا نادرًا. رجل سيبدأ موظفًا في دواوين الدولة،ثم يصبح صاحب الكلمة الأولى في الأندلس كلها.
ذلك الرجل هو محمد بن أبي عامر. وفي المقال القادم…
هشام المؤيد بالله. الخليفة الصغير… وكيف بدأت السلطة تنتقل إلى رجل آخر.








