مقالات

عرش بلقيس : حين كان العرش ذاكرة أمة لا مقعد ملك 

عرش بلقيس : حين كان العرش ذاكرة أمة لا مقعد ملك

 

بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

 

في أعماق التاريخ عروش كثيرة قامت ثم سقطت وارتفعت ثم غابت ، ولم يبق منها إلا اسم محفور في صفحات الكتب ، لكن هناك عروشا لم تكن من خشب أو ذهب بل كانت من ” معنى ” ، عروشا لم تحمل فوقها جسد ملك بثقله بل حملت روح عصر بأكمله ، ومن بين هذه العروش بقي ” عرش بلقيس ” واقفا في ذاكرة الإنسان كأنه سؤال أبدي في : كيف استطاع شيء لم يبق أثره المادي أن يبقى أكثر حضورا من كثير من القصور التي ما زالت أحجارها قائمة؟ ، ليأتي الينا التاريخ بالأجابة ، فعرش بلقيس في مملكة سبأ كان أكثر من موضع تجلس عليه ملكة ، كان إعلانا عن سيادة دولة بلغت من الثراء والتنظيم والحضور ما جعل اسمها يصل إلى ما وراء حدود الجزيرة العربية ، ففي عالم كانت فيه العروش تصنع لتظهر هيبة السلطان كان عرش سبأ رسالة تقول : إن هنا مملكة لا تحكمها القوة وحدها بل يحكمها العقل والتدبير ودهاء السياسة

 

لقد كانت سبأ في ذلك الزمن البعيد إحدى المنارات الحضارية في جنوب الجزيرة العربية ، أرض شقت الصخر واحتضنت التجارة وبنت السدود وأدارت طرق القوافل التي حملت اللبان والمر والعطور إلى أرجاء العالم القديم ، ولم يكن العرش المنسوب إلى بلقيس منفصلا عن هذه الحضارة بل كان صورة مصغرة لها في : فخامة الاقتصاد ودقة النظام ورفعة المكانة ، وحين وصف ” القرآن الكريم ” عرش بلقيس بقوله تعالى : ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ ، فإن العظمة هنا لا تقرأ فقط بمعنى الزينة والذهب بل بمعنى المكانة والسلطة والهيبة ، فالعرش في ثقافات الملوك القديمة لم يكن كرسيا وإنما كان رمزا للحق في الحكم وصورة مرئية لهيبة الدولة ، كان المكان الذي تلتقي فيه إرادة الحاكم بمصير أمة كاملة

 

ولك أن تخيل ذلك العرش في قصر سبئي تحيط به أعمدة الحضارة وتصل إليه أخبار القوافل القادمة من الجهات البعيدة ويجلس عليه عقل سياسي مختلف ، عقل ملكة لم تدخل الذاكرة لأنها خاضت حروبا لا تنتهي بل لأنها عرفت قيمة الحكمة وأدركت أن الدولة التي تدار بالبصيرة أطول عمرا من الدولة التي تقوم على الخوف ، حتى كان عرشها في نظر العالم القديم رمزا لقوة سبأ الناعمة ، فبينما كانت إمبراطوريات أخرى تتباهى بجيوشها وأسوارها كانت سبأ تعرض ثروتها عبر التجارة ، وحضورها عبر المعرفة ، ونفوذها عبر موقعها الذي جعلها جسرا بين الشرق والغرب ، ولهذا السبب أصبحت أخبارها تصل إلى أمم بعيدة حتى دخل اسمها في ذاكرة الحضارات المختلفة

 

ثم مرت القرون وتغير وجه العالم ، انهارت ممالك ، وجفت طرق تجارية ، وتحولت القصور إلى أطلال صامتة ، ولم يعد العرش في مكانه ولم يبق لنا سوى بضعة حجار كلما التمسناها قلنا : هنا جلست بلقيس

 

لكن المفارقة العجيبة أن غياب العرش لم يلغ الحضور ، فقد بقي حيا في الوجدان أكثر من كثير من العروش التي تحولت إلى متاحف بلا روح ، واليوم حين يقف الإنسان أمام آثار سبأ في مأرب لا يبحث فقط عن ذهب مفقود أو تاج ضائع بل يبحث عن إنسان الماضي : عن تلك الحضارة التي استطاعت أن تجعل من الصحراء موطنا للجمال ، ومن القحط مساحة للابتكار ، ومن المرأة الحاكمة رمزا للحكمة السياسية ، فعرش بلقيس لم يعد مجرد أثر نبحث عنه تحت الرمال بل أصبح أثرا يسكن في الذاكرة ، نعم أكل الزمن خشبه وحجاره لكنه عجز عن أكل المعنى الذي حمله ، فبعض العروش تهدم حين تسقط قصورها أما عرش بلقيس فقد بدأ رحلته الحقيقية بعد سقوط القصر ، لأنه تحول من مكان تجلس عليه ملكة إلى فكرة تجلس في عقل التاريخ ، ليبقى عرش بلقيس بذلك شاهدا على حقيقة واحدة وهي : أن أعظم ما يتركه الملوك ليس ما يملكونه ، بل ما يجعل الأجيال بعدهم تتساءل عن سر بقائهم زمنا تلو اخر .

زر الذهاب إلى الأعلى