قيد الآباء وخشونة العقل: لماذا تعثر الحلم العربي المشترك؟
بقلم عبد المجيد عبوبي
رئيس المجلس الوطني لحزب الحرية والعدالة الاجتماعية
أكتب هذه السطور وقلب كل عربي يحترق حسرة على أمة كرمها التاريخ بأن تكون حاملة شعلة المعرفة، فأصبحت ترتضي اليوم قيد التبعية والجمود. لم يعد خفياً على أحد ذلك التعثر المزمن الذي يعاني منه العالم العربي في مسعاه نحو بناء نموذج ديمقراطي حديث، مبني على سيادة القانون، وتكافؤ الفرص، واحترام القيم الإنسانية. وكأننا مَحكومون بإعادة تدوير أزماتنا إلى الأبد، نقف متفرجين على العالم وهو يتسابق نحو المستقبل، بينما نغرق نحن في مستنقع اجترار الماضي.
إن المرء ليأخذه العجب والألم حين يرى مجتمعاتنا عاجزة عن فك السلسلة التي تقيد عقولها. وحين نتأمل جذر الداء، نجد أننا لا نحتاج إلى نظريات معقدة لنفهم أين يكمن الخلل؛ فالإجابة مدونة في كتاب الله منذ أربعة عشر قرناً، حين واجه الأقوام دعوة الحق برفض إعمال العقل والتشبث الأعمى بما ترك الأجداد. ألسنا نعيش اليوم المعنى الحرفي لقوله تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوْلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]
هذه الآية الكريمة ليست مجرد نص نتلوه، بل هي مرآة كاشفة لواقعنا الاجتماعي والثقافي. كم هو مؤلم أن نرى مجتمعات بأكملها تُساق خلف موروثات بالية تُقدّس “الآباء” والتقاليد والعصبية الضيقة، على حساب عقل سليم، وحرية مسؤولة، وكرامة إنسانية. لقد تحولت “خشونة البداوة” التي تحدث عنها ابن خلدون قديماً إلى خشونة معاصرة في العقل والمنهج؛ خشونة تُفرز عصبية ترفض الاختلاف وتُحارب التفكير النقدي.
قيود العقل والفرص الاقتصادية والاجتماعية الضائعة
إن أزمة “التقليد الأعمى” وخشونة العقل لا تتوقف عند حدود الفكر، بل تمتد لتضرب في عمق مفاصلنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، محولةً إيانا إلى أمة تملك كل مقومات القوة والرفاه، لكنها تعجز عن ترجمتها إلى واقع معاش:
سلة غذاء العرب المنسية في السودان: تمتلك السودان ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية البكر وموارد المياه التي لو حظيت بعقلانية اقتصادية وتخطيط استراتيجي عربي مشترك، لكانت كفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي لجميع الدول العربية وأمنها القومي. لكن غياب الرؤية والتشظي جعلها تئن تحت وقع الأزمات والصراعات وسط نعيم مهدر.
المغرب العربي وفرصة القوة الضائعة: على غرار التكتلات الكبرى، كان بإمكان شعوب المغرب العربي أن تكون قوة إقليمية واقتصادية جبارة تحمي مصالح شعوبها وتضمن رفاههم، إلا أن ترسبات الماضي والتعنت السياسي عطّلا هذا الاندماج الحالم.
مصر الكنانة وثقلها الحضاري: إن مصر، بروحها العميقة وثقلها البشري والتاريخي الهائل، تظل هي الرئة التي تتنفس منها الأمة ومركز ثقلها الذي لا يُغنى عنه. وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية والجسيمة التي تواجهها، إلا أن الطاقات الشبابية الهائلة والعمق الثقافي والحضاري يظلان مخزوناً استراتيجياً قادراً متى ما توفرت له شروط المعرفة والانطلاق على إضاءة طريق النهضة للأمة بأسرها.
الخاتمة
إن الخروج من هذه الحفرة التاريخية يتطلب ثورة وعي تنفض غبار التبعية العمياء. ووسط العتمة، يبرز المغرب نموذجاً حياً يسعى لفتح نوافذ التحديث وربط الجسور مع المستقبل عبر مشاريع وإصلاحات كبرى. إنها حسرة على ما فات، يتبعه أمل يرفض أن تكون أمتنا مقبرة للمستقبل.







