لماذا لا تستطيع أميركا مرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز؟
يوسف حسن يكتب –
يشير تقرير صادر عن معهد الأبحاث الأمريكي “ناشونال إنترست” إلى أنه على الرغم من سابقة الولايات المتحدة في مرافقة الناقلات خلال “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن المعطيات الراهنة تختلف اختلافاً جذرياً، مما يجعل تكرار تلك العمليات اليوم أكثر صعوبةً وتعقيداً.
ففي عملية “الإرادة الصادقة” (Earnest Will)، رفعت إدارة ريغان العلم الأمريكي على ناقلات الكويت، ورافقتها البحرية الأميركية في الخليج العربي. لكن ستة عوامل رئيسية تحول دون إعادة إحياء هذه التجربة:
١. الولايات المتحدة اليوم طرفٌ مباشر في الحرب مع إيران:
في الثمانينيات، لم تكن أميركا منخرطة كطرف في الحرب الدائرة بين إيران والعراق، وكان دور قواتها البحرية دفاعياً في الغالب. أما اليوم، فالأمر مختلف تماماً؛ إذ أصبحت واشنطن أحد الأطراف الأساسية في الصراع، وإيران تقاتل من أجل بقائها السياسي والعسكري. ومن ثم، فإن رد طهران على وجود السفن الأميركية ومرافقتها للناقلات قد يكون أكثر عنفاً وحدة مما كان عليه في السابق.
٢. إيران أعدّت نفسها لحرب الخليج بإحكام شديد:
نظّمت القوات المسلحة الإيرانية صفوفها خلال العقود الماضية بتركيز واضح على مواجهة أميركا. فالتطوير المتواصل للصواريخ والطائرات المسيّرة، وتشييد التحصينات والمنشآت تحت الأرض، والتركيز على تهديد خطوط الملاحة في هرمز، إلى جانب اعتماد نظام القيادة اللامركزية، كلها عناصر تعكس درجة عالية من الجاهزية. ولا تحتاج إيران إلى إغراق جميع السفن لتحقيق الردع؛ فحتى الهجمات المحدودة والمتفرقة قد تكون كافية لإقناع مالكي الناقلات وشركات التأمين بتجنب عبور المضيق.
٣. مرافقة الناقلات باتت مهمة بالغة الخطورة على البحرية الأميركية:
أثبتت تجربة الثمانينيات أن مثل هذه المهمات قد تؤدي إلى كوارث لا تُحمد عقباها، بدءاً من استهداف المدمرة “ستارك”، مروراً باصطدام السفينة “صموئيل بي روبرتس” بلغم بحري، وصولاً إلى إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية على يد الفرقاطة “فينسينس”. وفي عام ٢٠٢٦، تتصاعد المخاطر بشكل كبير جراء الاقتراب من السواحل الإيرانية والإبحار في مياه يُحتمل أن تكون مفخخة بالألغام.
٤. الأسطول الأميركي أصغر حجماً مما كان عليه في الثمانينيات:
يضم الأسطول الحالي للبحرية الأميركية نحو ٢٩٣ قطعة بحرية مقاتلة فقط، مقابل حوالي ٦٠٠ قطعة خلال فترة الحرب الباردة. وهذا التراجع العددي يحد من قدرة الأسطول على تحمل الخسائر. كما أن التركيز اليوم ينصبّ على حاملات الطائرات والمدمرات الضخمة، بينما كان أسطول الثمانينيات يضم عدداً أكبر من الزوارق الصغيرة، التي تُعتبر أكثر ملاءمة للعمليات في المياه الضيقة والمحصورة.
٥. تراجعت قدرات أميركا في إزالة الألغام وضعفت طاقتها الصناعية:
تُشكّل الألغام البحرية أحد أكبر المخاطر في مضيق هرمز. وقد خفّضت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة قدراتها التخصصية في مكافحة الألغام، ولم تُثبت التقنيات البديلة فعاليتها المطلقة بعد. إلى جانب ذلك، تراجعت صناعة بناء السفن الأميركية مقارنة بعصر الثمانينيات، مما قلّص القدرة على إصلاح القطع المتضررة أو استبدالها بسرعة في حال تعرّضها لأضرار.
٦. لا يكاد أحد يرحب بفكرة مرافقة القوافل البحرية:
هذه المهمة لا تحظى بتأييد واسع، لا من الناحية المؤسسية ولا التجارية. فالبحرية تفضّل التجهيز للمعارك الكبرى بدلاً من مهام المرافقة، وشركات الشحن ترى فيها عبئاً مكلفاً وغير فعال، بينما تواجه شركات التأمين زيادةً في نسب المخاطر. لذلك، غالباً ما تُضطر القوات البحرية في كل حرب كبرى إلى إعادة اكتشاف أهمية هذه المرافقات رغم عدم رغبتها فيها.
الخلاصة:
إن حرب الناقلات التي شهدتها ثمانينيات القرن الماضي ليست نموذجاً قابلاً للتطبيق في هرمز اليوم. فالمقارنة بين الفترتين تكشف بوضوح أن الظروف التشغيلية، واستعدادات إيران القتالية، وهيكل الأسطول الأميركي، وقدرات إزالة الألغام، والطاقة الصناعية الأمريكية، جميعها تجعل تكرار عملية “الإرادة الصادقة” في عام ٢٠٢٦ محفوفاً بمخاطر جمّة.
وبرأيي الشخصي، قد حان الأوان للتوقف عن اللعب في ملعب أخطاء ترامب، والانخراط بدلاً من ذلك في مفاوضات جادة مع طهران.







