بقلم: مصطفى محمد القرشي
حين تنتقل بطولة وُلدت في الرياض إلى قلب باريس، فإن المسألة تتجاوز تغيير مدينة الاستضافة؛ إنها تكشف كيف يمكن لفكرة سعودية أن تتحول، خلال سنوات قليلة، إلى منصة عالمية عابرة للحدود.
وهذا تحديدًا ما حدث مع كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026، الذي انتقل للمرة الأولى خارج السعودية بعد نسختين في الرياض عامي 2024 و2025، لتصبح باريس أول محطة دولية للبطولة، بعد أن انطلقت من الرياض وترسخت فيها نسختاها الأولى والثانية.
وجاء اختتام نسخة باريس متزامنًا مع زيارة الدولة لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى فرنسا؛ حيث شرّف سموه الحفل الختامي للبطولة في 23 أغسطس 2026، في مشهد حمل أبعادًا تتجاوز الرياضة والترفيه إلى العلاقات الاقتصادية والثقافية بين السعودية وفرنسا.
وقد اختتمت البطولة بعد سبعة أسابيع من المنافسات، بمشاركة أكثر من ألفي لاعب يمثلون 200 نادٍ من أكثر من 100 دولة، تنافسوا في 25 بطولة ضمن 24 لعبة، على جوائز مالية تجاوزت 75 مليون دولار، فيما سجلت النسخة أكثر من مليوني زيارة.
تكمن أهمية هذه الخطوة في أبعادها الاقتصادية؛ فالسعودية لم تدخل عالم الألعاب والرياضات الإلكترونية بوصفها سوقًا استهلاكية ضخمة فحسب، ولم تتعامل مع المنافسات باعتبارها فعاليات ترفيهية موسمية، وإنما تحركت لبناء سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة، تبدأ من اكتشاف الموهبة، وتمر بالتعليم والتدريب وتطوير التقنية وبناء الملكية الفكرية والاستثمار والبنية التحتية، وتنتهي بمنتجات وخدمات سعودية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
من اللعب إلى بناء الاقتصاد
عند إطلاق الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية عام 2022، كان الهدف محددًا: جعل السعودية مركزًا عالميًا للقطاع بحلول عام 2030.
ووضعت الاستراتيجية مستهدفات تنموية واقتصادية واضحة، في مقدمتها تحقيق مساهمة اقتصادية تتجاوز 50 مليار ريال بحلول عام 2030، واستحداث أكثر من 39 ألف فرصة عمل، إلى جانب إنتاج أكثر من 30 لعبة محليًا تصل إلى قائمة أفضل 300 لعبة عالميًا، والوصول بالسعودية إلى مصاف الدول الثلاث الأولى عالميًا في عدد اللاعبين المحترفين في الرياضات الإلكترونية.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها لأنها لا تقيس حجم الإنفاق على الترفيه، وإنما حجم الاقتصاد المستدام الممكن بناؤه حوله.
فالفرص الوظيفية في هذه الصناعة لا تقتصر على اللاعب المحترف، بل تمتد إلى مطوري الألعاب والمبرمجين ومصممي الشخصيات والرسوم ومهندسي الصوت وكتاب السيناريو ومتخصصي الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وإدارة البطولات والتسويق الرقمي والأمن السيبراني والملكية الفكرية.
ومن هذا المنطلق يتضح مغزى استهداف إنشاء 250 شركة ألعاب بحلول عام 2030؛ فالهدف لا يتمثل في توسيع قاعدة اللاعبين فحسب، وإنما في توسيع قاعدة المنتجين والشركات والوظائف والأصول الرقمية.
86 مبادرة.. ومنظومة تتجاوز الحدث
تستمد التجربة السعودية قوتها من اعتمادها على بناء المنظومة، لا على الحدث المنفرد؛ إذ تضم الاستراتيجية 86 مبادرة تقودها أكثر من 20 جهة حكومية وخاصة، وتغطي ثمانية مجالات مترابطة في سلسلة القيمة.
وهذا النموذج لا يكتفي باستضافة البطولات وانتظار أثرها السياحي المؤقت، بل يسعى إلى تحويل الطلب الكبير على الألعاب إلى قاعدة لإنتاج المعرفة، وتوطين المهارات، وتأسيس الشركات، وتطوير الملكية الفكرية.
فالرحلة الاقتصادية تبدأ بشغف اللاعب، ثم تنتقل إلى اكتشاف الموهبة وتأهيلها، واحتضان المطور وتمويل الشركة الناشئة، وإنتاج اللعبة وتسويقها، وصولًا إلى صناعة ملكية فكرية قادرة على توليد الإيرادات داخل السعودية وخارجها.
وهنا يكمن الفارق بين سوق يستهلك الألعاب، واقتصاد يشارك في صناعتها.
السوق المحلية.. رأس مال اقتصادي
تمتلك السعودية إحدى أهم المزايا التي تحتاج إليها أي صناعة رقمية ناشئة: قاعدة جماهيرية شابة واسعة وشديدة التفاعل مع الألعاب والتقنية.
وهذه الكتلة لا تمثل جمهورًا استهلاكيًا فحسب؛ بل يمكن النظر إليها بوصفها مختبرًا واسعًا للمطورين، وسوقًا أولية للشركات، ومصدرًا للمواهب والمهارات المستقبلية.
وتضاف إلى ذلك ميزة الموقع الجغرافي الذي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، إلى جانب البنية التحتية الرقمية المتقدمة، ومراكز البيانات والاتصالات والخدمات السحابية، وهي عناصر أساسية لصناعة تعتمد بصورة جوهرية على الاتصال السريع والبث المباشر والحوسبة والبيانات.
«ساڤي».. من الاستثمار إلى امتلاك موقع في الصناعة
في قلب هذا التحول تقف مجموعة «ساڤي» للألعاب الإلكترونية، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، بوصفها أحد أهم الأذرع الاستثمارية لبناء حضور سعودي مؤثر في الصناعة العالمية.
وتتجاوز استراتيجية «ساڤي» مفهوم الاستثمار المالي المجرد إلى بناء محفظة تمنح السعودية المعرفة والخبرة والحضور في حلقات رئيسة من سلسلة القيمة العالمية.
وقد أعلنت استراتيجية المجموعة استثمارات تصل إلى 142 مليار ريال موزعة على أربعة برامج للاستثمارات والاستحواذات؛ تشمل 50 مليار ريال للاستحواذ على شركة رائدة في نشر الألعاب وتطويرها، و70 مليار ريال للاستحواذ على حصص أقلية في شركات رئيسة، وملياري ريال للاستثمار في شركات ناشئة ومبتكرة، و20 مليار ريال للاستثمار في شركات راسخة في القطاع.
ومن المهم اقتصاديًا التمييز هنا بين الميزانية العامة للدولة وبين استثمارات صندوق الاستثمارات العامة وشركات محفظته؛ فهذه الاستثمارات لا تمثل بند إنفاق مباشرًا من ميزانية الدولة السعودية، وإنما استثمارات تقودها مجموعة «ساڤي» التابعة للصندوق ضمن استراتيجية اقتصادية طويلة الأجل.
ولوضع حجم هذه الاستثمارات في سياق مالي أوسع، تبلغ النفقات المعتمدة في الميزانية العامة للدولة لعام 2026 نحو 1.313 تريليون ريال، مقابل إيرادات مقدرة بنحو 1.147 تريليون ريال، وعجز متوقع يبلغ 165 مليار ريال. وبالتالي فإن الاستثمار في قطاع الألعاب يأتي ضمن منظومة أوسع لتنويع الاقتصاد، تتوزع أدواتها بين الإنفاق الحكومي والاستثمار السيادي وتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.
وتتجسد استراتيجية «ساڤي» في الاستحواذات الدولية الكبرى، ومنها الاستحواذ على Scopely مقابل 4.9 مليار دولار، إلى جانب امتلاك ESL FACEIT Group، بما يمنح المجموعة مواقع مؤثرة في تطوير الألعاب ونشرها وتنظيم الرياضات الإلكترونية عالميًا.
والأهمية هنا لا تكمن في قيمة الاستحواذ وحدها، بل في طبيعة الأصل المستحوذ عليه؛ فالملكية الفكرية الرقمية يمكن أن تولد الإيرادات لسنوات عبر الألعاب والاشتراكات والترخيص والإعلانات والبطولات والمحتوى والخدمات المرتبطة بها.
من استضافة البطولات إلى تصدير المنصات
يجسد كأس العالم للرياضات الإلكترونية التحول من الاستثمار الداخلي إلى تصدير المنصات السعودية عالميًا.
فبعد انطلاق البطولة من الرياض، جاءت باريس في 2026 لتشكل أول محطة دولية لها، وتثبت أن الطموح لم يعد مقتصرًا على جذب العالم إلى السعودية، وإنما أصبح يمتد إلى أخذ المنتجات والمنصات السعودية إلى الأسواق والمدن العالمية.
وتمثل هذه النقلة مستوى أكثر تقدمًا اقتصاديًا؛ لأن المنصة العالمية لا تبيع تذكرة فقط، بل تنتج منظومة من حقوق البث والرعاية والإعلانات والسياحة والضيافة والتجزئة والمحتوى الرقمي والبيانات والخدمات التقنية.
وحين تستطيع منصة انطلقت من الرياض أن تستقطب في باريس أكثر من ألفي لاعب و200 نادٍ من أكثر من 100 دولة، وتسجل أكثر من مليوني زيارة، فإننا أمام نموذج يتجاوز مفهوم الفعالية الرياضية إلى اقتصاد الانتباه العالمي.
وحيث يوجد الانتباه، توجد القيمة الاقتصادية.
الثقافة السعودية داخل الاقتصاد الرقمي
ولا تتوقف القيمة عند حدود الاقتصاد.
فالألعاب أصبحت إحدى أكثر أدوات الثقافة الحديثة قدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة، ويمكن للعبة ناجحة أن تحمل التاريخ والمدينة واللغة والموسيقى والعمارة والهوية المحلية إلى ملايين اللاعبين حول العالم.
ومن هنا تكتسب صناعة الألعاب السعودية بعدًا ثقافيًا إضافيًا؛ إذ يمكن تحويل قصص العلا والدرعية وجدة التاريخية والصحراء والبحر والتراث العربي إلى عوالم رقمية تفاعلية، لا يشاهدها الجمهور فحسب، بل يعيش تفاصيلها ويتفاعل معها.
وهكذا تجتمع في المنتج الواحد التقنية والاقتصاد والثقافة والقوة الناعمة.
حجم السوق.. والدقة في قراءة الأرقام
عند تحليل اقتصاد الألعاب، من الضروري التمييز بين سوق ألعاب الفيديو المباشر وبين الاقتصاد الرقمي والترفيهي الأوسع المتصل به.
فالأرقام المتداولة عالميًا تختلف تبعًا لما يدخل في تعريف السوق؛ إذ تشمل بعض التقديرات الألعاب فقط، بينما تضيف تقديرات أخرى الأجهزة والإعلانات والبث والرياضات الإلكترونية والخدمات الرقمية المرتبطة بها.
ولهذا فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية للقطاع لا تُقاس بحجم سوق الألعاب المباشر وحده، بل بشبكة الصناعات التي تتحرك حوله؛ من الاتصالات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي إلى الإعلام والإعلانات والسياحة والترفيه والتجزئة.
المعيار الحقيقي للنجاح
يبقى التحدي الأساسي أمام هذه الاستراتيجية الطموحة ضمان انعكاس الاستثمارات الكبيرة على التوطين الفعلي للمعرفة والقيمة الاقتصادية داخل السعودية.
فمعيار النجاح بحلول عام 2030 لن يُقاس فقط بعدد البطولات المستضافة، ولا بحجم الجوائز أو أعداد المشاهدين، وإنما بعدد الاستوديوهات السعودية القادرة على المنافسة عالميًا، وحجم الملكية الفكرية السعودية، وعدد الشركات الناشئة التي تتحول إلى شركات عالمية، ونسبة الوظائف النوعية التي يشغلها السعوديون، وحجم المنتجات والخدمات الرقمية المصدرة إلى الخارج.
والسؤال الاقتصادي الأكثر أهمية ليس:
كم تستثمر السعودية في الألعاب؟
بل:
كم قيمة اقتصادية ومعرفية وملكية فكرية ستولدها هذه الاستثمارات داخل السعودية؟
وهنا تحديدًا يصبح الاستثمار رأس مال منتجًا للمستقبل؛ عندما تتحول الأموال إلى معرفة، والمعرفة إلى شركات، والشركات إلى أصول وحقوق ملكية فكرية، وهذه الأصول إلى تدفقات إيرادية وصادرات رقمية وفرص عمل.
من الرياض إلى باريس.. صناعة سعودية عابرة للحدود
ذلك هو جوهر قصة الألعاب والرياضات الإلكترونية في رؤية السعودية 2030: الدخول المبكر إلى أحد قطاعات المستقبل، وبناء القدرات الوطنية حوله، وربط الاستثمار العالمي بالتنمية المحلية.
ومن هنا تبدو رحلة كأس العالم للرياضات الإلكترونية من الرياض إلى باريس أكثر من انتقال بطولة بين عاصمتين.
فالرياض بنت المنصة، وباريس أصبحت أول محطة دولية لها.
وإذا كانت المرحلة الأولى قد أثبتت قدرة السعودية على استضافة العالم، فإن المرحلة التالية تختبر قدرتها على صناعة اللعبة، وامتلاك التقنية والملكية الفكرية، وتطوير الشركات، وتصدير المحتوى والمنصات إلى العالم.
وعندها تكتمل المعادلة الاقتصادية:
يتحول شغف الشباب إلى موهبة، والموهبة إلى معرفة، والمعرفة إلى شركة، والشركة إلى منتج وملكية فكرية، والمنتج إلى سوق عالمية؛ فتعود القيمة إلى الاقتصاد السعودي في صورة وظائف واستثمارات وصادرات رقمية ومصادر دخل جديدة.
من الرياض إلى باريس.. لم تعد السعودية تدخل المنافسة في الألعاب والرياضات الإلكترونية فحسب؛ بل بدأت تنافس على موقعها في اقتصاد عالمي جديد، تصنعه التقنية، ويقوده الإبداع، وتُقاس قوته بما يملكه من معرفة وموهبة وملكية فكرية.








