لماذا الإصرار على 12 سبتمبر؟..
وهل أصبح موعد الدراسة أهم من جودة التعليم؟
بقلم: ممدوح عكاشة
مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، يظل السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الإصرار على بدء الدراسة يوم 12 سبتمبر، رغم أن لدينا تحديات تعليمية أكبر بكثير من مجرد الالتزام بتاريخ على التقويم؟
المشكلة ليست في يوم 12 سبتمبر تحديدًا، وإنما في فلسفة إدارة العام الدراسي. فالتعليم لا يُقاس بعدد الأيام التي يجلس فيها الطالب على مقعده، ولا بمجرد بدء الدراسة في موعد مبكر، وإنما بما يحصل عليه الطالب من علم ومهارات وقدرة على التفكير والمنافسة.
والأكثر إثارة للتساؤل أننا في مصر كنا يومًا من الدول التي ساهمت في بناء المنظومات التعليمية في المنطقة، وكان المعلم المصري مطلوبًا في العديد من الدول العربية، بينما استطاعت دول خليجية، خلال سنوات قليلة، أن تطور أنظمتها التعليمية بصورة جعلتها تتقدم في مؤشرات دولية، وتستثمر بقوة في التكنولوجيا، واللغات، والمهارات، وتأهيل المعلم، وربط التعليم باحتياجات المستقبل.
هم لم يكتفوا بتغيير الكتب.. بل غيروا طريقة التفكير
الدول التي تقدمت تعليميًا لم تسأل فقط: متى يبدأ العام الدراسي؟ وإنما سألت: ماذا سيتعلم الطالب؟ وكيف سيتعلم؟ ومن سيعلمه؟ وكيف نقيس نجاح العملية التعليمية؟
بينما ما زلنا في مصر نستهلك قدرًا كبيرًا من النقاش حول مواعيد الدراسة والامتحانات والجداول والكثافات، في الوقت الذي تحتاج فيه المدرسة المصرية إلى مواجهة ملفات أكثر إلحاحًا، منها عجز المعلمين في بعض المدارس، وزياداتهم في مدارس أخرى، وارتفاع الكثافات، وتراجع بعض المهارات الأساسية، وانتشار الدروس الخصوصية.
فهل الأولوية أن يبدأ الطالب يوم 12 سبتمبر، أم أن يدخل مدرسة لديها معلم كفء، وفصل مناسب، ومناهج واضحة، وإدارة قوية، وبيئة تعليمية جاذبة؟
نتعلم من الخليج.. لا عيب في ذلك
ليس عيبًا أن نعترف بأن دولًا خليجية استطاعت تحقيق خطوات مهمة في التعليم. العيب الحقيقي هو أن نرى التجارب الناجحة أمامنا ثم نرفض الاستفادة منها.
هذه الدول لم تتقدم لأنها تملك أموالًا فقط، وإنما لأنها استثمرت في الإنسان، واستقدمت الخبرات، وطورت المعلم، ووسعت استخدام التكنولوجيا، وربطت التعليم بسوق العمل وبالاقتصاد الجديد.
ومصر لديها ما هو أهم من المال: لديها ملايين المعلمين، وتاريخ طويل في التعليم، وجامعات عريقة، وخبرات بشرية هائلة. لكنها تحتاج إلى إدارة أكثر مرونة، وقرارات أكثر جرأة، واستفادة حقيقية من التجارب الناجحة.
موعد الدراسة ليس إنجازًا في حد ذاته
إذا كان الهدف من التبكير في بدء الدراسة هو زيادة أيام التعلم الفعلي، فهذا هدف محترم. لكن السؤال الأهم: هل هذه الأيام تتحول بالفعل إلى تعلم حقيقي؟
فالطالب الذي يجلس في فصل شديد الكثافة، أو أمام معلم يعاني من ضغط الحصص، أو يدرس وسط نقص في الإمكانات، لن يصبح أكثر تفوقًا لمجرد أن الدراسة بدأت مبكرًا.
نحن نحتاج إلى أن ننتقل من إدارة التقويم الدراسي إلى إدارة جودة التعليم.
وفي النهاية…
لا نريد أن يكون السؤال: “هل بدأنا الدراسة في 12 سبتمبر؟”
بل نريد أن يكون السؤال:
ماذا تعلم أبناؤنا؟
وماذا اكتسبوا من مهارات؟
وهل أصبح المعلم أفضل حالًا وأكثر قدرة على أداء رسالته؟
وهل أصبحت المدرسة بديلًا حقيقيًا عن الدروس الخصوصية؟
وهل نستطيع خلال سنوات قليلة أن نرى أبناءنا ينافسون أبناء الخليج والعالم في العلم والابتكار؟
لقد علمنا أجيالًا في المنطقة، واليوم آن الأوان أن نتعلم نحن أيضًا من كل تجربة ناجحة، أياً كان صاحبها.
فالتعليم لا يعرف الكبرياء الوطني، ولا يعترف بالمجاملات؛ إما أن تتقدم أو تتراجع.
ومصر تستحق أن تتقدم.







