لحظة الوداع
بقلم فيفيان سمير
لحظة الوداع على رصيف ميناء خال إلا من ضباب خفيف وصرير حبال، وقفت تلوح لسفينة تبتعد. كان البحر يبتلع الصوت، والضوء يتلاشى، ويدها ترتفع كأنها تحاول الإمساك بما لا يمسك. وحين صار الأفق خطا أزرقا باهتا، أدركت أن الرجل الذي على ظهر السفينة لن يعود.
لم يكن ذلك الوداع الذي قالته قبل أشهر قليلة، بل كان شيئا آخر، شيئا يولد في عتمة الفقد، حين تتوقف الروح عن انتظار المستحيل.
هناك، في تلك اللحظة، بترت من جسدها قطعة، ووقفت تلوح لها، لا للرجل الذي رحل منذ زمان، بل لنفسها القديمة التي كانت تنتظر.
هكذا هو الوداع. لا يأتي عندما ترحل الأشياء أو الأشخاص، بل عندما نستوعب أن الرحيل حقيقة لن تتغير أو تتبدل. إنه ذلك الألم الذي يحدث فقط حين يدرك المرء انفصاله عن معتقد أو شيء أو شخص إلى الأبد. كل وداع قبل ذلك كان تمرينا، أو مؤجلا، أو وعدا بلقاء آخر.
أما هذا، فهو الجرح الذي لا يندمل، لأنه يقتلع جزءا من الروح، كأن أحدا يبتر جزءا من جسده بلا مخدر، فيبقى المكان ملتهبا، والأعصاب تشتعل، والألم لا ينتهي، والعقل يرفض التصديق، إلى أن يقف على البر ملوحا للراحل بدمع ساخن.
لكن الأشد قسوة أن الوداع لا يقتصر على ما نراه فقط، إنه يمتد إلى ما نعيشه حتى في الخيال، إلى وهم كنا نصدقه، إلى حلم كنا نبني عليه أيامنا، إلى صوت كنا نسمعه داخلنا يؤنسنا ويقوينا، حتى لو لم يكن حقيقة. وفجأة، في لحظة قاسية، قاتلة، نكتشف أن ذلك كله قد مات، وأنه لن يعود.
كم من مرة ودعنا أشخاصا ما زالوا على قيد الحياة، لكننا نعلم أننا لن نراهم ثانية؟ كم من مرة ودعنا قناعات ومعتقدات كنا نظن أنها جزء منا ولن تتبدل؟ كم من مرة ودعنا أوهاما كانت أجمل من الحقيقة؟ الوداع الحقيقي لا يحتاج إلى رحيل مادي، بل يحتاج إلى يقين داخلي بأن ما كان قد انتهى، وقد لا يأتي إلا بعد سنوات من الرحيل المادي. وحين نصل إلى هذا اليقين، نشعر أن جزءا منا قد اقتلع، وأن مكانه بقي فارغا، ينزف كلما تذكرنا، ويؤلمنا كلما مررنا به.
بعد تلك اللحظة، تعود الحياة إلى طبيعتها، تشرق الشمس، يصرخ المنبه، يبرد الشاي، يضحك الناس. تعود إلى عملك، إلى طعامك، إلى أحاديثك الصغيرة. لكن شيئا ما يبقى ناقصا، ناقصا في افتقاد الجزء الذي مات ولن يعود.
كوب فارغ على الطاولة لا يمتلئ كلما هممت بعمل قهوتك، حتى أنها لم تعد بنفس الطعم، مقعد، لا يجلس عليه أحد، يناديك كلما مررت به، صوت لا يأتي. تضحك، لكن الضحكة تأتي من فم مبتور، تعانق، لكن العناق يمر من فراغ، حتى المرآة، تلك الشاهدة الصامتة، تخبرنا أننا لسنا كما كنا.
هناك ظل خلف العينين، وثقل في الخطوات، وصمت في القلب لا يفهمه أحد. الحياة تكمل طريقها، لكنها تعرج. وكلما مر الوقت، لا تنسى، بل تتعلم كيف تحمل النقص. يصبح الفقد جزءا منك، كظلك يلتصق بك.
نحن لا نتعود على الفقد، بل نتعلم كيف نعيش معه. الوقت لا يداوي الجروح العميقة، بل يرمم حولها جدارا رقيقا. تضحك فوق الجدار، تنام فوقه، وتحلم فوقه. لكن في ليلة هادئة، أو في أغنية قديمة، أو في رائحة عابرة، ينهار الجدار قليلا، فيظهر الجرح كما كان بكل وجعه.
لحظة الوداع الحقيقية لا تنتهي، لأنها ليست حدثا عابرا، بل حالة تسكنك. تودع من تحب، ثم تودع كل يوم جزءا منك كان مرتبطا به. تودع الحلم الذي لن يتحقق، والبيت الذي لن يعود، والمدينة التي كانت، والصوت الذي كان يقول اسمك بطريقة خاصة. من يرحل يأخذ معه نسخة منك، وما يتبقى، يبقى ناقصا.
لذلك نقف نلوح، نلوح في المحطات، على أرصفة الموانئ، في المطارات، عند القبور، وحتى أمام شاشات الهواتف حين يقطعنا الموت أو الغياب أو القدر. نلوح لأننا لا نعرف ماذا نفعل بأيدينا حين يعجز القلب عن الكلام. نلوح كأن اللحظة ستمتد عمرًا كاملًا. نتعلم أن نلوح لما فقدنا، لا لأننا نسيناه، بل لأننا تصالحنا مع استحالة عودته. نقف في وداع مؤلم صحيح، نلوح بيد مرتجفة، ونبتسم ابتسامة مكسورة، ونقول في داخلنا: “وداعا”.
وداعا للمعتقد الذي كان يمنحني الأمان، وداعا للقناعة التي منحتني المعنى، وداعا للشخص الذي كان يمنحني الحياة، وداعا للوهم الذي كان يمنحني الجنون الجميل. نلوح، ونحن نعلم أن العودة مستحيلة، وأن ما مات لا يقوم، وأن ما انكسر لا يلتحم. ثم نعود، نغلق الباب، نشعل الضوء، نكمل، لكننا نكمل بجزء ميت، بجزء لن يعود.
وهذا هو أقسى ما في الوداع، أنه لا يحدث مرة واحدة، يحدث في كل مرة نتذكر فيها أننا لم نعد كما كنا، في كل مرة نمد يدنا إلى الهاتف لنخبره بشيء، ثم نتذكر، في كل مرة نرى شيئا جميلا ونقول لو كان هنا، في كل مرة نفتح الباب على أمل أن يكون هناك، ثم نغلق على فراغ.
الحياة تعود لطبيعتها، نعم، لكنها طبيعة ناقصة. نضحك، نعمل، نسافر، لكن هناك دائما جزء منا يقف على الرصيف، يلوح، لا يغادر، ولا ينسى، جزء مات في لحظة الوداع، ولن يعود أبدا، نلوح للماضي في صمت، ونعيش حياة تبدو طبيعية، ننظر ذلك الجزء الذي رحل، ونعلم في كل لحظة أنه لن يعود. وعلينا أن نحيا مع ذلك، مع هذا الفراغ، مع هذا الجزء المبتور، مع هذا الوداع الذي لا ينتهي.








