المملكة في قلوبنا
من أمانة الحرمين إلى ريادة المستقبل
د. م. مدحت يوسف
٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦
يأتي اليوم الوطني السعودي في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام تخليدًا لليوم الذي أعلن فيه الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية. وليس هذا اليوم مجرد ذكرى لتأسيس دولة. بل مناسبة نستحضر فيها مسيرة وطن وحّد الأرض والإنسان وأقام بنيانه على الإيمان والأمن والعدل ووحدة الكلمة.
وتحتل المملكة مكانة راسخة في قلوب العرب والمسلمين. فهي دولة عريقة في أصالتها ومؤثرة في حاضرها وماضية بثقة نحو مستقبلها. وقد جمعت بين قدسية المكان وقوة الدولة وحكمة القيادة وأصالة الشعب. فحافظت على هويتها وهي تتطور وحولت تاريخها من ذكرى نفخر بها إلى مسؤولية نبني عليها.
وتستمد المملكة منزلتها الدينية من أرض اختارها الله لتحتضن أول بيت وضع للناس. قال تعالى «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين». وعلى أرض مكة المكرمة رفع سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت الحرام. فأصبحت قبلة المسلمين ومقصد أفئدتهم وموطنًا للأمن والعبادة.
وفي مكة المكرمة ولد خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ونزل عليه الوحي الأمين بخاتم الرسالات. ومنها انطلقت رسالة الإسلام حاملة إلى العالم قيم التوحيد والعلم والعدل والرحمة. ثم احتضنت المدينة المنورة هجرة الرسول الكريم وأقيم فيها مسجده الشريف واستقر بها مثواه الطاهر.
ومن هنا أصبحت المملكة حاضرة في عقيدة كل مسلم ووجدانه. ففي مكة بيت الله الحرام وقبلة الصلاة ومناسك الحج والعمرة. وفي المدينة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وموطن سنته وسيرته. ولذلك فإن مكانة المملكة لا تقف عند حدودها الجغرافية. بل تمتد إلى قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وقد أدرك الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه عظم هذه الأمانة. فبعد مسيرة طويلة من الكفاح وحّد البلاد ورسّخ الأمن وبنى مؤسسات الدولة وجمع الناس حول وطن واحد. ولم يكن التوحيد نهاية المهمة. بل بداية مسؤولية تاريخية لحفظ الدولة وخدمة الحرمين الشريفين وبناء الإنسان والقيام بالواجب تجاه العالمين العربي والإسلامي.
ثم حمل أبناؤه الملوك هذه المسؤولية من بعده. فواصل الملك سعود بناء مؤسسات الدولة وتوسيع خدماتها. وعزّز الملك فيصل مكانة المملكة العربية والإسلامية والدولية ورسّخ التضامن الإسلامي. وقاد الملك خالد مرحلة واسعة من التنمية. وشهد عهد الملك فهد توسعًا في التعليم والبنية الأساسية وخدمة الحرمين الشريفين. ثم واصل الملك عبدالله مسيرة التطوير وعزّز التعليم والحوار والتواصل الإنساني.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله دخلت المملكة مرحلة جديدة من البناء والتحول. مرحلة لم تكتفِ بتطوير قطاعات الدولة. بل أعادت اكتشاف قدراتها وموقعها في العالم. ويسهم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله برؤيته الطموحة وجهوده الوطنية في تحويل الإمكانات إلى إنجازات والطموح إلى واقع والمستقبل إلى مشروع وطني يشارك أبناء المملكة وبناتها في بنائه.
وقد تقدمت المملكة في الاقتصاد والاستثمار والصناعة والطاقة والسياحة والثقافة والرياضة والتقنيات المتقدمة. كما عززت حضورها في البيانات والذكاء الاصطناعي والابتكار والبحث العلمي. وأصبحت شريكًا مؤثرًا في صناعة التوجهات المستقبلية وتوظيف التكنولوجيا لخدمة الإنسان وتحسين جودة حياته.
ولم يكن هذا التحول مجموعة من المشروعات المنفصلة. بل قام على استراتيجيات وطنية متكاملة طورت الأنظمة وعززت الحوكمة ووسعت نطاق الخدمات الرقمية ورفعت كفاءة البنية الأساسية. وأصبحت الرقمنة جزءًا من إدارة الدولة والاقتصاد والتعليم والاستثمار. فاختصرت الإجراءات ورفعت الشفافية وسهلت الوصول إلى الخدمات والفرص.
وقد أسهم الاستقرار ووضوح الأنظمة وتطور الخدمات الرقمية والبنية اللوجستية في توفير بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار. فأصبحت المملكة وجهة للشركات والمشروعات المحلية والعالمية. واستطاعت أن تقدم للمستثمر مسارات أكثر وضوحًا للترخيص والتأسيس والنمو مع حوافز وممكنات تدعم استدامة المشروعات وترفع قدرتها على المنافسة.
وكان للصناعة نصيب بارز من هذا التطور. إذ توسعت المدن الصناعية وتنوعت الفرص وتقدمت برامج توطين التقنيات وسلاسل الإمداد والمحتوى المحلي. كما اتجهت المملكة نحو الصناعات النوعية والتحول الذكي ومصانع المستقبل بما يعزز تنوع الاقتصاد ويحول المعرفة والتقنية إلى قدرات إنتاجية وفرص عمل مستدامة.
وامتد الاستثمار إلى التعليم والتدريب والبحث العلمي والتقنيات التعليمية. فلم يعد الاستثمار التعليمي مقصورًا على إنشاء المدارس والجامعات. بل أصبح يشمل المنصات الرقمية والتعليم المرن وتنمية المهارات والابتكار والشراكات بين المؤسسات التعليمية وقطاعات الاقتصاد. وهو تحول يعكس إدراكًا بأن المنافسة العالمية تبدأ من جودة الإنسان الذي يصنع الاقتصاد ويدير التقنية ويقود المعرفة.
وتتمثل القيمة الأعمق لهذه المسيرة في أن المملكة جعلت بناء الإنسان أساسًا لبناء المستقبل. فالمشروعات الكبرى لا تقود نفسها. والتقنيات مهما تطورت لا تصنع أثرها من دون عقل يمتلك المعرفة والمهارة والقيم. ولذلك أصبح الاستثمار في المواطن محورًا رئيسيًا في رؤية المملكة وبرامجها.
ومن خلال برنامج تنمية القدرات البشرية تعمل المملكة على بناء مواطن معتز بقيمه وهويته ومؤهل بمهارات الحاضر والمستقبل وقادر على المنافسة عالميًا. وتبدأ هذه الرؤية من الطفولة المبكرة وتمتد عبر التعليم العام والجامعي والتدريب المهني والتعلم مدى الحياة. حتى يصبح الإنسان شريكًا في التحول لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
ويشهد التعليم السعودي تطورًا يستهدف رفع الجودة وتعزيز المعرفة والابتكار وتنمية المواهب وربط التعلم بمهارات العصر واحتياجات سوق العمل المحلي والعالمي. فلم تعد الغاية نقل المعرفة وحدها. بل بناء شخصية قادرة على تحليلها وقيادتها وتحويلها إلى ابتكار وعمل وأثر.
وهذا هو المعنى الحقيقي للريادة. أن تبني الدولة إنسانًا قادرًا على التعامل مع عصر تتسارع فيه العلوم وتتغير فيه المهن وتتداخل فيه التقنية مع مختلف جوانب الحياة. وأن تمنحه تعليمًا يحفظ قيمه ويطلق قدراته ويؤهله للمنافسة عالميًا من دون أن يفقد هويته وانتماءه.
وقد أصبحت مكانة المملكة عالميًا قائمة على حضور سياسي واقتصادي وتنموي ومعرفي متكامل. فهي تبني الشراكات وتستقطب الاستثمارات والكفاءات وتشارك في صياغة التوجهات المستقبلية. كما تقدم نموذجًا يؤكد أن التقدم لا يقتضي الانفصال عن الجذور وأن الأصالة يمكن أن تكون قوة دافعة نحو التجديد.
وتمتد مسؤولية قيادة المملكة إلى ما هو أبعد من حدود الوطن. فالدولة التي تتشرف بخدمة الحرمين الشريفين تحمل أمانة تجاه العالم الإسلامي بأسره. ولهذا ارتبط تاريخها بمساندة قضايا العرب والمسلمين وإغاثة المحتاجين ودعم الاستقرار والسعي إلى جمع الكلمة ونشر قيم الاعتدال والسلام.
أما الشعب السعودي فهو شريك أصيل في هذه المسيرة. شعب حافظ على الكرم والشهامة والوفاء والاعتزاز بالدين والوطن. واستطاع أن يجمع بين الثقة بجذوره والقدرة على الانفتاح على العالم. ولذلك فإن ما تحققه المملكة اليوم ليس إنجاز مؤسسات فحسب. بل ثمرة تلاحم بين قيادة وشعب يجمعهما وطن واحد وطموح لا يعرف المستحيل.
ويأتي اليوم الوطني ليجدد هذه المعاني. فهو يوم نستحضر فيه ما صنعه المؤسس وما حمله أبناؤه من بعده وما ينجزه أبناء المملكة اليوم. وهو مناسبة تتحول فيها مشاعر الفخر إلى مسؤولية ويصبح الوفاء للماضي عملًا في الحاضر واستعدادًا للمستقبل.
المملكة في قلوبنا ليست عبارة للمجاملة. بل حقيقة صنعتها قدسية الأرض وأصالة الشعب وحكمة القيادة ومواقف الدولة التاريخية تجاه أمتها وريادتها المعاصرة في بناء الإنسان وقيادة المعرفة وجذب الاستثمار وصناعة المستقبل.








