من يملك المعلومة يملك التأثير… ومن يفتقد الوعي قد يصبح أداة للشائعة
«شات EGYPT».. حين تدخل التكنولوجيا معركة الحقيقة
بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية
لم تعد الشائعة مجرد خبر كاذب يتناقله الناس، ولم يعد التضليل الإعلامي مجرد خطأ عابر في نقل معلومة؛ فقد أصبح تداول المعلومات ساحة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، وتوجيه الانفعالات، والتأثير في الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بل وفي قدرة المجتمعات على التعامل مع الأزمات.
في هذا السياق، يأتي إطلاق منصة «شات EGYPT» للتحقق من المعلومات ومواجهة الشائعات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، باعتباره خطوة جديدة في تطوير أدوات التواصل الحكومي وإتاحة المعلومات الموثوقة للمواطنين بصورة أكثر سرعة وتفاعلية. وقد أُعدت المنصة بواسطة فريق مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء.
لكن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في اسم المنصة أو التقنية المستخدمة فحسب، بل في القضية التي تضعها أمام المجتمع: كيف نحمي الحقيقة في زمن أصبحت فيه صناعة المحتوى المضلل أسرع وأسهل، وأصبح من الممكن أن تنتشر صورة مفبركة أو مقطع فيديو مجتزأ على نطاق واسع قبل أن تتاح فرصة التحقق من سياقهما الأصلي؟
من رد الفعل إلى التحقق المنظم
تتيح المنصة للمستخدمين التحقق من المعلومات المتداولة، وفحص الصور ومقاطع الفيديو بحثًا عن مؤشرات التلاعب، إلى جانب الوصول إلى الأخبار المنشورة من مصادرها الرسمية.
وتضم أربعة أقسام رئيسية: الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين. كما أشارت المعلومات المنشورة عنها إلى إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني، إلى جانب التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام، مع إتاحة التنسيق بين الوزارات والجهات الحكومية والمحافظات لتحديث المعلومات وتصحيح ما يتداول بشأنها.
وهنا تظهر قيمة التحول من الاكتفاء بنفي الشائعة بعد انتشارها إلى توفير أداة تساعد المواطن على فحصها مبكرًا، وتمنحه فرصة الوصول إلى المعلومة من مصدرها بدلًا من الاعتماد على رسائل مجهولة أو منشورات تفتقر إلى الأدلة.
فكلما أصبحت الحقيقة أكثر إتاحة، وتوافرت قنوات واضحة للاستفسار والتحقق، ازدادت قدرة المواطن على اتخاذ موقف مبني على المعرف٧ة، بدلًا من الانسياق وراء أول رواية تثير خوفه أو غضبه.
¤الشائعة قضية أمن مجتمعي
لأن أثر الشائعة لا يتوقف عند خداع شخص أو تضليل مجموعة من المستخدمين. فقد تؤدي المعلومات الكاذبة المتعلقة بالاقتصاد أو السلع أو الخدمات أو الأزمات الإقليمية إلى إثارة القلق، وإرباك القرارات اليومية، والإضرار بثقة الجمهور، وقد تُستغل لإشعال خلافات وانقسامات داخل المجتمع.
وقد كشف تقرير المركز الإعلامي لمجلس الوزراء عن الشائعات خلال النصف الأول من عام 2026 عن ارتفاع نسبة الشائعات المرتبطة بالتداعيات السلبية للأزمات الخارجية إلى 57.3% من إجمالي الشائعات التي تناولها التقرير، مقابل 21.1% خلال الفترة المناظرة من عام 2025. وهي أرقام تخص الرصد الوارد في التقرير، وليست قياسًا لجميع المعلومات المتداولة على الإنترنت.
وتوضح هذه البيانات أهمية التعامل مع التضليل باعتباره تحديًا يتطلب سرعة الاستجابة، وتوفير المعلومات، والتنسيق بين المؤسسات، ورفع قدرة الجمهور على التمييز بين الخبر الصحيح والادعاء غير المدعوم.
غير أن مواجهة الشائعات لا تعني اعتبار كل نقد شائعة، أو التعامل مع كل اختلاف باعتباره تهديدًا. فالنقد القائم على وقائع، وطرح الأسئلة المشروعة، وتصحيح الأخطاء، كلها عناصر تساعد على بناء الثقة. أما التضليل فيقوم على تحريف الوقائع، أو اجتزائها من سياقها، أو اختلاق معلومات لا يسندها دليل.
**الوعي الحقيقي لا يحمي المجتمع من الكذب فقط، بل يحميه أيضًا من الخلط بين الحقيقة والرأي، وبين النقد والتضليل.**
الذكاء الاصطناعي أداة للتحقق… وليس بديلًا عن العقل
رغم ما تتيحه تقنيات الذكاء الاصطناعي من سرعة في تحليل النصوص والصور والفيديوهات، فإن استخدامها لا يعني أن كل نتيجة تصدر عنها صحيحة بصورة مطلقة.
فالأنظمة الذكية قد تخطئ، وقد تفشل في فهم سياق معين، وقد تكون بعض الصور أصلية لكنها مستخدمة في غير زمانها أو مكانها. كما أن اكتشاف مؤشرات التلاعب لا يكفي وحده لإثبات أن المحتوى مزيف؛ إذ ينبغي ربط الأدلة بالسياق والمصدر وتاريخ النشر.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لمنصة «شات EGYPT» تكمن في كونها نقطة انطلاق للتحقق والوصول إلى المعلومات، لا حكمًا نهائيًا يغني عن مراجعة الوثائق والبيانات الأصلية والجهات المختصة، خاصة في القرارات القانونية أو المالية أو المسائل التي تترتب عليها مسؤوليات مهمة. ويتفق ذلك مع التنبيه المنشور على المنصة إلى احتمال وجود أخطاء أو معلومات غير مكتملة أو قديمة في المخرجات الآلية.
ومن هنا، ينبغي أن يتعلم المواطن استخدام التكنولوجيا بعقل ناقد: يستفيد من سرعتها، لكنه لا يتنازل لها عن مسؤوليته في التفكير.
الدولة توفر الأداة… والمواطن يحسم أثرها
إن إطلاق منصة للتحقق يمثل جانبًا من جهود الدولة في مواجهة الشائعات وتعزيز إتاحة المعلومات، لكن نجاح أي أداة رقمية يظل مرتبطًا بمدى استخدامها، وسهولة الوصول إليها، وسرعة تحديث بياناتها، وقدرة المواطنين على فهم نتائجها والتعامل معها.
فلا تستطيع أي منصة، مهما بلغت إمكاناتها، أن تمنع انتشار كل خبر كاذب إذا استمر المستخدم في إعادة نشره دون مراجعة. ولا يكفي اكتشاف المعلومة الخاطئة بعد تداولها، إذا كان آلاف الأشخاص قد ساهموا في نشرها قبل التحقق منها.
وهنا تبدأ مسؤولية كل فرد.
قبل مشاركة خبر، تحقق من مصدره.
قبل تصديق صورة، افحص تاريخها وسياقها.
قبل تداول مقطع فيديو، تأكد من أنه يعبر فعلًا عن الحدث المنسوب إليه.
وقبل اتهام شخص أو مؤسسة، ابحث عن دليل يمكن الرجوع إليه.
إن الامتناع عن نشر معلومة غير مؤكدة ليس سلبية، بل ممارسة واعية للمسؤولية. كما أن تصحيح الخطأ بعد اكتشافه دليل على النضج، لا سبب للخجل.
ومن الضروري كذلك أن تتحمل المؤسسات مسؤوليتها في تقديم المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، والرد على الاستفسارات بوضوح، وتصحيح الأخطاء عند وقوعها؛ لأن الفراغ المعلوماتي بيئة خصبة لتكاثر الروايات المتضاربة.
معركة الحقيقة مسؤولية مشتركة
إننا نعيش زمنًا لم يعد فيه امتلاك المعلومة وحده كافيًا، بل أصبح الأهم هو القدرة على تقييمها وفهم سياقها والتحقق من مصدرها.
ولذلك، فإن إطلاق «شات EGYPT» يمكن أن يمثل فرصة لتوسيع ثقافة التحقق، إذا تحول من مجرد منصة رقمية إلى ممارسة يومية في حياة المواطنين، وفي المدارس والجامعات ومؤسسات العمل ووسائل الإعلام.
فالدولة التي تطور أدواتها لمواجهة التضليل تحتاج إلى مواطن يطور عاداته في التعامل مع المعلومات. والمؤسسة التي تتيح الحقيقة تحتاج إلى جمهور يبحث عنها. والتكنولوجيا التي تكشف مؤشرات التلاعب تحتاج إلى عقل يميز بين الدليل والاستنتاج.
**إن أخطر ما في الشائعة ليس فقط أنها قد تخدعنا، بل أنها قد تدفعنا إلى اتخاذ مواقف وقرارات قبل أن نعرف الحقيقة.**
ومن هنا، فإن الوعي ليس ترفًا ثقافيًا، ولا شعارًا يُرفع في أوقات الأزمات؛ إنه مهارة يومية تحمي الإنسان من الاستغلال، والمجتمع من الانقسام، والوطن من آثار التضليل.
لقد أصبحت لدينا أداة جديدة للتحقق، لكن مسؤولية استخدامها تقع علينا جميعًا.
فلنجعل القاعدة بسيطة وواضحة:
**لا تصدق لمجرد أن الخبر منتشر، ولا ترفض لمجرد أنه يخالف توقعاتك، ولا تشارك قبل أن تتحقق.**
ففي معركة الشائعات، قد تبدأ الحماية بمنصة تطورها الدولة، لكن النصر الحقيقي يبدأ بعقل يرفض أن يكون ناقلًا للكذب، ومواطن يدرك أن حماية الحقيقة مسؤولية لا تقل أهمية عن الوصول إليها.
يمكن الوصول إلى المنصة من خلال الموقع التالي:
منصة التحقق من المعلومات ومواجهة الشائعات
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء








