مقالاتمنوعات

قراءة في تصريحات الرئيس السيسي بـ «منتدى مصر»:

آليات التحول من الرؤية الاستراتيجية إلى الواقع الميداني

قراءة في تصريحات الرئيس السيسي بـ «منتدى مصر»:

آليات التحول من الرؤية الاستراتيجية إلى الواقع الميداني

 

بقلم: أشرف عبد الحميد

لم تكن تصريحات ورسائل رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته وحضوره الفاعل في جلسات «منتدى مصر 2026» مجرد كلمة افتتاحية أو بروتوكولية، بل جاءت لتشكل دليلاً استراتيجياً وخريطة طريق متكاملة لإدارة الدولة في مرحلة شديدة التعقيد إقليمياً ودولياً.

إن الملمح الأبرز في نهج القيادة السياسية هو نموذج «القيادة بالإنصات والمكاشفة»؛ حيث جلس الرئيس في الصفوف الأولى ينصت لدراسات الخبراء ويصوب الأرقام والمفاهيم بشفافية مطردة. غير أن السؤال الاستراتيجي الأهم المطروح على أروقة المنتدى والمؤسسات التنفيذية هو: كيف تتحول هذه التصريحات والمبادرات الرئاسية إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع؟

أولاً: العقيدة الدفاعية والاتزان الاستراتيجي (من التصريح إلى التطبيق)

أكد الرئيس خلال الجلسات بشكل قاطع على ثوابت السياسة الخارجية والعقيدة العسكرية المصرية، مشدداً على أن الجهد العسكري المصري هو جهد دفاعي لحماية الحدود والمكتسبات دون اعتداء أو شطط، مع التمسك بالحلول السلمية في ملفات الجوار (السودان، ليبيا، الصومال، وسد النهضة).

كيف تتحول إلى واقع ملموس؟

الدبلوماسية الوقائية: ترجمة هذه الرؤية عبر بناء تحالفات شراكة متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية المتعددة، بما يضمن صون الأمن القومي العربي والمائي دون الانزلاق لمواجهات غير محسوبة.

الردع الشامل والجاهزية: استمرار تحديث القوات المسلحة وتنويع مصادر السلاح؛ ليكون السلاح حصناً للسلام ودعماً لمبدأ “القوة التي تحمي وتصون”.

ثانياً: مفهوم “الوعي الصلب” وحصانة الجبهة الداخلية

شدد الرئيس على أن المواطن هو حائط الصد الأول، وأن استهداف الوعي القومي بنشر الشائعات والتأويلات المغلوطة هو الخطر الأكبر على استقرار الدول.

كيف تتحول إلى واقع ملموس؟

الشراكة مع المجتمع المدني: تفعيل دور الجمعيات الأهلية والتحالفات التنموية في الوصول للقرى والنجوع لبناء الوعي، ومكافحة الظواهر السلبية (كالإدمان والعنف) وتفنيد الشائعات.

الإعلام والمكاشفة الرقمية: تحويل خطابات المكاشفة إلى سياسة يومية تنفذها الوزارات، من خلال إتاحة البيانات والمعلومات الصحيحة فور حدوث أي أزمة لقطع الطريق على تجار الفتن.

ثالثاً: مأسسة الحوكمة وإدارة الأزمات

عكست التوجيهات الرئاسية ضرورة التحول من رد الفعل إلى الاستجابة المؤسسية المبكرة والمنظمة في إدارة كافة الأزمات الكبرى.

كيف تتحول إلى واقع ملموس؟

الربط الشبكي لإدارة الأزمات: تفعيل الدور الميداني للجهات المختصة كالهيئة القومية لإدارة الأزمات ومركز تنسيق الدفاع عن الدولة، والربط الإلكتروني الفوري بين المحافظات والمرافق الحيوية.

المراقبة والمتابعة: قياس كفاءة سلاسل الإمداد ومواجهة الكوارث أو الهجمات السيبرانية وفق مؤشرات أداء رقمية معلنة تُعرض على مجلس الوزراء بشكل دوري.

رابعاً: استدامة المنتدى ومتابعة المخرجات (توصية الاستدامة)

إن الضمانة الأساسية لعدم تحول جلسات المنتدى وتصريحاته إلى مجرد توصيات على الورق تكمن في مأسسة المنتدى:

إنشاء أمانة دائمة لمتابعة التوصيات: تشكيل لجنة تنفيذية دائمة تنبثق عن المنتدى تعمل على مدار العام لتتبع قياس أداء الوزارات والمؤسسات في تنفيذ المبادرات الرئاسية والتوصيات الصادرة.

إطلاق “مرصد المخرجات الوطنية”: رفع تقارير دورية لرئاسة الجمهورية تتضمن نسب الإنجاز والتحديات الميدانية، لضمان استدامة الحوار الوطني والتكامل المؤسسي بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

الخاتمة

إن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي في «منتدى مصر 2026» تضع الجميع أمام مسؤولية مسيرة وطنية جادة؛ فالرؤية القيادية الحكيمة أصبحت واضحة، والمسار متفق عليه، والرهان الآن يقع على التكامل المؤسسي ووعي المواطن وتكاتف المجتمع المدني لتحويل هذه الرؤى الاستراتيجية إلى واقع يلمسه المواطن في أمنه، وتنميته، وجوانب حياته اليومية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى