شهرزاد الحي
قصة قصيرة بقلم / منى الجبريني
منذ أربعين ليلة، لم يعد أطفال الحي ينامون مبكرًا. في منزلها البسيط، ينصتون إليها بشغف، لا يتحركون قيد أنملة، أعينهم تحّدق نحوها ذاهلةً، بينما تزخر روحها بالقصص والعبر، فتمطر عليهم بشتى المغامرات والخيالات، لتنساب ظلالها على جدران المنزل، تتمايل، تتراقص، وأحيانًا يحتدم الصراع بينها، فتنحبس الأنفاس، حتى نهاية الحكايات.
حين يعود الأطفال إلى منازلهم، ترافقهم حكاياتها، فتغرس البهجة في قلوبهم، يستقبلون الحياة بصدر رحب وابتسامةٍ عريضة. يخبرون عائلاتهم عن حلقة الحائكة فاطمة، التي صارت طقسًا أصيلًا، لأبناء المنطقة.
بعد صلاة العشاء، يُغلق الجميع محلاتهم، يصطحبون زوجاتهم وأبناءهم إلى منزلها، ثم يتحلقون حولها، يتبادلون النظرات، يعضون شفاههم، حيث تتأرجح مشاعرهم، بين الفضول والرهبة. يتلهفون لسماع الحكايات الجديدة، بينما يخشون أن تنكشف خباياهم.
شرعت تفضي لهم بالأسرار، فتترد الشهقات، وتتسع الأعين في ذهول، حين تفضح سارقًا عتيدًا، ورجلًا تفوح منه رائحة ليالٍ حمراء، فتصدح منازلٌ بالبهجة لاستراد أموالٍ مسروقة، وتوبة عاصٍ عن إثمه، وغيرهم الكثير. لم يكشف أحدٌ سر معرفتها بكل هذه الخبايا، خاصة أنها لم تطلب سعرًا لها، بل اكتفت بمهنتها الأثيرة.
تستلم قطعة قماش، فتحيلها بدلة أنيقة، أو فستانًا باهرًا، لترسم البسمة على ملامح زبائنها. تنصت إلى همس الأقمشة، فتنساب إليها أسرار الجميع، تؤنسها، كما اعتادت منذ الطفولة.
تداعت إليها لحظة سماعها الهمسات لأول مرة، حينها كانت طفلة في التاسعة من عمرها، النساء يتشحن بالسواد، ينعين وفاة والدها. أبقتها والدتها داخل حجرتها، بعيدًا عن الأجواء المشحونة. قضت فاطمة ليلتها تحاور جلباب والدها، تنتحب فوقه، تتدثر به، حتى حل الصباح.
حكى لها عن مدى محبة والدها لها، فانحدرت منها الدموع، وعندما أبلغها بنوادره، اتسعت ابتسامتها. أدركت أن لا أحد غيرها ينصت لهذه الهمسات، فاحتفظت بالأمر لنفسها، حتى أفضت إليها صديقتها عن ألمٍ طعن روحها، ومزق فؤادها. حاولت كثيرًا أن تواسيها، لكن دون جدوى، أخذت تقص عليها بعضًا من الهمسات الصامتة، لتتهادى أمارات السرور على روح رفيقتها، عندئذ، قررت أن تساعد المغدورين، والمغبونين، لتصير شهرزاد المنطقة.
سألها زوجها، بائع الحلوى، وطفليها عن مصدر حكاياتها، فآثرت الصمت. استمرت تمارس هوايتها حتى أتى زوجها ببنطاله الأسود، طالبًا رتق جزءًا منه قد تمزق. أخذت تتلمسه في هيام، ثم وضعته أسفل إبرة ماكينة الخياطة، ولم تكد تشرع في إصلاحه، حتى اتسعت الرقعة الممزقة. كلما حاولت خياطته، ينزلق الخيط، أو تنكسر الإبرة، أمسكت البنطلون، ثم دسته أسفل وسادتها، بينما تجاهد أن تخرس الأسرار الهامسة.
تغضّنت ملامحها، كقطعة قماش مهترئة، اصطبغت حكاياتها بأجواء بائسة، تستدر الدموع، فأخذ جمهورها يتناقص، يتساءلون عما حل بها، لكن الصمت كان جوابها. طاردتها الظلال في كافة الأرجاء، قضّت مضجعها، انكسرت نظراتها، داهمتها الهالات السوداء، وصارت تذبل يومًا بعد يوم. يناديها طفلاها، فلا تجيب، تنظر إليهما في فتور، بينما تتوارى خلف الدموع، وتلوذ بصمتٍ مرير.
لاحظ زوجها هجرها له في الفراش، شحوبها، جسدها المتهالك، فظن أن المرض أصابها. أخبرهم الطبيب أن جسدها لا يشكو من علةٍ واضحة، ربما تحتاج إلى قليلٍ من الراحة. توقف الجميع عن زيارتها، وشرعوا يلهجون بالدعاء لها، كي تتغلب على المرض، لكن حالها ظل يتدهور، لمدة سبعة أيام، ومع الغروب الثامن استعاد جسدها عافيته، لكن ابتسامتها تلاشت.
ارتدى الزوج بنطالًا جديدًا، اشترته فاطمة له، بعدما أصبح القديم ممزقًا، غير صالحٍ للاستخدام. منذ تلك اللحظة، مرت بين يديها مئات الأقمشة، لكنها لم تعد تسمع سوى الماكينة، وصار أطفال الحي ينامون مبكرًا.








