أدب وثقافة

حين وصل نابليون إلى مصر. بقلم / محمد مصطفى كامل

التاريخ من وراء الستار

حين وصل نابليون إلى مصر

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

الحملة التي هزّت عالم المماليك، وكشفت هشاشة نظام الحكم، ووضعت مصر في قلب صراع دولي غيّر مسار تاريخها

لم تكن مصر في صيف عام ١٧٩٨م تنتظر غريبًا يعبر البحر، ولم يكن الفرنسيون وحدهم من يراقبون شواطئها. كانت البلاد تقف عند تقاطع طرق الإمبراطوريات، بينما يتنازع حكمها رجال اعتادوا أن تُحسم السلطة بينهم بالسيف، دون أن يدركوا أن العالم من حولهم يتغير بسرعة أكبر مما يتصورون.

كان إبراهيم بك ومراد بك قد استعادا نفوذهما في القاهرة سنة ١٧٩١م، بعد سنوات من الاضطراب والصراع. لكن عودتهما لم تكن تعني أن مصر أصبحت دولة موحدة قادرة على مواجهة الأخطار الخارجية؛ فقد ظل النفوذ المملوكي موزعًا بين الأمراء، وظلت العلاقة بالسلطة العثمانية محكومة بالتوتر والمساومات، فيما عانى الناس أعباء الضرائب وتقلبات الحكم.

وفي أوروبا، كان رجل يصعد بسرعة استثنائية، لا يكتفي بالانتصار في المعارك، بل يفكر في تحويل النصر العسكري إلى نفوذ سياسي يتجاوز حدود بلاده.

كان اسمه نابليون بونابرت.

لكن السؤال الذي يستحق أن نبدأ منه ليس: كيف وصل نابليون إلى مصر؟ بل: لماذا اختار مصر، وما الذي جعله يعتقد أن السيطرة عليها يمكن أن تفتح أمام فرنسا أبواب الشرق؟

مصر في حسابات الإمبراطوريات

لم تكن الحملة الفرنسية على مصر مجرد مغامرة عسكرية يقودها قائد طموح. فقد جاءت في سياق الصراع بين فرنسا وبريطانيا، وكانت من أهدافها تهديد المصالح البريطانية في الشرق، والضغط على الطريق الذي يربط بريطانيا بممتلكاتها في الهند، وتوسيع النفوذ الفرنسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية وتجارية كبيرة.

وكانت مصر، بموقعها بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، تبدو نقطة مثالية لتحقيق هذه الأهداف.

غير أن الحملة حملت وجهًا آخر أيضًا. فقد اصطحب نابليون عددًا من العلماء والمهندسين والفنانين والباحثين، في محاولة للجمع بين القوة العسكرية والمعرفة العلمية. ولم يكن هذا الجانب منفصلًا عن المشروع الفرنسي؛ فمعرفة الأرض والناس والموارد كانت جزءًا من فهم البلاد التي أرادت فرنسا إخضاعها وإدارتها.

وفي أغسطس ١٧٩٨م أُنشئ المجمع العلمي المصري، ليصبح أحد أبرز مظاهر هذا الحضور العلمي المصاحب للاحتلال.

لكن علينا أن نميز بين قيمة بعض الأعمال العلمية التي أُنجزت خلال الحملة، وبين الغاية السياسية والعسكرية التي جاءت الحملة من أجلها. فوجود العلماء لا يحوّل الاحتلال إلى مشروع بريء، كما أن نقد الاحتلال لا يستلزم إنكار كل ما أُنتج في تلك المرحلة من معرفة.

لقد جاءت فرنسا إلى مصر وهي تحمل المدافع والخرائط، وتريد أن تعرف البلاد بقدر ما تريد أن تسيطر عليها.

من مالطة إلى الإسكندرية

في طريقه إلى مصر، استولى الأسطول الفرنسي على مالطة، ثم اتجه إلى الشواطئ المصرية.

وفي الأول من يوليو ١٧٩٨م وصلت القوات الفرنسية إلى الإسكندرية، ونزلت بالقرب منها، قبل أن تتمكن من السيطرة على المدينة في اليوم التالي.

لم تكن الإسكندرية يومئذٍ مستعدة لمواجهة جيش أوروبي بهذا الحجم والتنظيم. وسرعان ما وجد الفرنسيون أنفسهم أمام أول خطوة في مشروعهم: تأمين الساحل، ثم التقدم إلى القاهرة، مركز الثقل السياسي والإداري في البلاد.

وكان نابليون يعرف أن احتلال الإسكندرية وحده لا يكفي. فالقاهرة هي المفتاح الذي يمكن أن يضعه في مواجهة القوة المملوكية، وأن يمنحه فرصة فرض سلطته على القسم الأهم من مصر.

تحرك الجيش الفرنسي في اتجاه الداخل، عبر طرق صعبة وفي ظروف مرهقة. وكانت الحرارة ونقص المياه والإمدادات من خصومه الذين لا يقل أثرهم عن أثر جيش يقف في مواجهته.

أما المماليك، فقد امتلكوا خبرة طويلة في القتال، واشتهر فرسانهم بالشجاعة والمهارة، لكنهم كانوا يواجهون جيشًا يعتمد على أساليب تنظيمية وتكتيكية مختلفة، وعلى انضباط يسمح لقواته بالتحرك والقتال كوحدات متماسكة.

وهنا بدأ يتضح أن المعركة لن تكون اختبارًا للشجاعة وحدها، بل لاختلاف نظامين عسكريين.

من شبراخيت إلى الأهرام

في ١٣ يوليو ١٧٩٨م، اصطدم الفرنسيون بقوات مملوكية في معركة شبراخيت، التي كشفت جانبًا من الفارق بين أسلوب الفرسان المماليك وطريقة القتال الفرنسية.

كان المماليك يعتمدون بدرجة كبيرة على حركة الفرسان وسرعة الهجوم، بينما اعتمد الفرنسيون على تشكيلات المشاة المنضبطة والمدفعية، بما أتاح لهم مواجهة اندفاع الفرسان بصورة أكثر تماسكًا.

لم تكن المسألة أن المماليك افتقروا إلى الشجاعة، بل إن الشجاعة الفردية لا تستطيع دائمًا تعويض الفارق في التنظيم والتسليح وإدارة المعركة.

واصل نابليون تقدمه نحو القاهرة، وأصبح الصدام الكبير مسألة وقت.

وفي ٢١ يوليو ١٧٩٨م، وقعت المعركة التي اشتهرت باسم معركة الأهرام، وإن كان ميدانها الفعلي عند إمبابة، بالقرب من الجيزة.

أمام الجيش الفرنسي، وقف المماليك بقواتهم وفرسانهم، وهم يراهنون على قدرتهم على اختراق صفوف الخصم وإرباكه. لكن نابليون رتّب قواته في تشكيلات دفاعية متماسكة، دعمتها المدفعية، بحيث واجهت اندفاع الفرسان بنيران مركزة، وأحبطت قدرتهم على إحداث الاختراق الذي كانوا يرجونه.

كانت النتيجة هزيمة مملوكية كبيرة.

لم تكن الأهرام هي التي هزمت المماليك؛ بل كان الفارق بين أسلوبين في إدارة الحرب، وبين جيش استطاع أن يحول الانضباط والتنظيم إلى قوة مؤثرة، وخصم لم يتمكن من توظيف شجاعته وخبرته بالطريقة المناسبة لميدان القتال الجديد.

لكن المعركة، على أهميتها، لم تعنِ أن كل مقاومة مملوكية قد انتهت، ولا أن مصر أصبحت خاضعة بالكامل للفرنسيين.

فإبراهيم بك انسحب شرقًا في اتجاه بلاد الشام، بينما اتجه مراد بك إلى صعيد مصر، محتفظًا بقوة مملوكية استطاعت أن تواصل المقاومة وأن تفرض على الفرنسيين تحديات جديدة.

لقد خسر المماليك معركة كبرى، لكنهم لم يختفوا من المشهد.

القاهرة تفتح أبوابها، ومصر لا تستسلم

في أواخر يوليو ١٧٩٨م، دخل نابليون القاهرة، بعد أن انهارت قدرة القوة المملوكية الموجودة في العاصمة على منعه من الوصول إليها.

وبدأ الفرنسيون في تثبيت سلطتهم، مستفيدين من غياب قوة عسكرية قادرة على طردهم فورًا، ومن الانقسامات التي أضعفت خصومهم.

لكن نابليون أدرك أن السيطرة العسكرية لا تكفي وحدها لإدارة بلد بحجم مصر، وأنه لا يستطيع أن يحكم مجتمعًا له مؤسساته الدينية وتقاليده وشبكات مصالحه، بمجرد إصدار الأوامر.

لذلك لجأ إلى خطاب سياسي يقدّم فيه نفسه على أنه عدو للمماليك، لا عدو للإسلام، وزعم أنه جاء لتخليص المصريين من ظلم الأمراء. كما حاول إظهار الاحترام للدين الإسلامي والاستعانة ببعض العلماء والأعيان لتثبيت سلطته.

غير أن هذه الرسائل كانت جزءًا من سياسة الاحتلال، وليست دليلًا على أن الحملة جاءت من أجل تحرير المصريين.

ففرنسا لم تعبر البحر لتترك مصر تختار مستقبلها، بل جاءت بقوة عسكرية تريد إخضاع البلاد وإدارتها بما يخدم مصالحها. وكانت الوعود السياسية، مهما تلونت عباراتها، محكومة بهذه الحقيقة.

ومع ذلك، لم يكن المصريون كتلة واحدة في موقفها من الفرنسيين؛ فقد اختلفت مواقف العلماء والأعيان وأهل الحرف وسكان الأحياء، وتداخلت الحسابات الدينية والسياسية والمعيشية. لكن ما أخذ يتراكم كان أخطر من أن تستطيع الدعاية الفرنسية إخفاءه طويلًا.

فالاحتلال يفرض سلطته، ويحتاج إلى المال لتمويل جيشه، ويتدخل في حياة الناس، ويطالبهم بالامتثال لنظام لم يختاروه.

وهكذا أخذت الفجوة تتسع بين ما يقوله الفرنسيون عن أنفسهم، وما يختبره المصريون في حياتهم اليومية.

ضربة من البحر تغيّر الحسابات

وبينما كان نابليون يعمل على تثبيت أقدامه في القاهرة، كانت هناك معركة أخرى تتشكل في البحر المتوسط، وستكون نتائجها من أهم التحولات في مصير الحملة.

ففي الأول من أغسطس ١٧٩٨م، واجه الأسطول البريطاني بقيادة الأميرال هوراشيو نلسون الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، المعروفة أيضًا بمعركة النيل.

انتهت المعركة بهزيمة بحرية ساحقة للفرنسيين، وتدمير أو الاستيلاء على معظم سفنهم الحربية الرئيسية.

كان لهذا الانتصار البريطاني أثر يتجاوز خسارة السفن. فقد أصبحت قدرة الفرنسيين على الاتصال المنتظم ببلادهم، والحصول على التعزيزات والإمدادات، أكثر صعوبة، كما ارتفعت مخاطر عزل الجيش الفرنسي داخل مصر.

لم يعد نابليون يتحرك في بلد احتله فحسب؛ بل أصبح عليه أن يفكر في كيفية المحافظة على جيش بعيد عن قواعده، ومحاط بخصوم لا يريدون بقاءه.

ومن هنا اكتسبت معركة أبي قير أهمية استراتيجية كبرى. فمعركة الأهرام فتحت الطريق إلى القاهرة، أما أبي قير فقد غيّرت الظروف التي سيضطر الفرنسيون إلى القتال والحكم في ظلها.

لقد ربح نابليون معركة الأهرام، لكنه لم ينجح في تأمين الطريق البحري الذي يحتاج إليه مشروعه. وكان ذلك أول إنذار كبير بأن الانتصارات البرية، مهما بلغت، لا تكفي إذا اختل ميزان القوة في البحر.

من السيطرة إلى الثورة

لم تنفجر القاهرة في وجه الفرنسيين بسبب واقعة واحدة يمكن عزلها عما سبقها. فقد تراكمت أسباب الغضب مع مرور الأسابيع: أعباء مالية وإجراءات فرضتها سلطة الاحتلال، وتدخلات في شؤون المدينة، ومخاوف دينية وسياسية، وشعور متزايد بأن الوجود الفرنسي لا يحمل للمصريين ما وعد به من عدل وطمأنينة.

وفي ٢١ أكتوبر ١٧٩٨م، اندلعت ثورة القاهرة الأولى.

شارك فيها سكان من أحياء المدينة، وبرز دور بعض العلماء والأعيان، وتحولت حالة السخط إلى مواجهة مفتوحة مع القوات الفرنسية. ولم تكن الثورة انتصارًا عسكريًا للمصريين، لكنها كانت لحظة فاصلة في العلاقة بين المجتمع والاحتلال.

واجه الفرنسيون الثورة بعنف شديد، واستخدموا المدفعية لقصف مناطق من القاهرة، وقمعوا المقاومة، ووقعت خسائر بشرية ودمار في المدينة. كما اتخذت سلطات الاحتلال إجراءات قاسية لإعادة فرض النظام وإظهار قدرتها على العقاب.

وبذلك انكشفت حدود الخطاب الذي حاول نابليون من خلاله تقديم نفسه حاميًا للمصريين من ظلم المماليك.

فحين رفض الناس الخضوع، لم تتعامل السلطة الفرنسية مع موقفهم بوصفه خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه بالحوار، بل بوصفه تمردًا يجب سحقه.

ومع ذلك، لا يصح أن ننظر إلى الثورة باعتبارها نهاية الوجود الفرنسي في مصر؛ فقد تمكنت القوات الفرنسية من قمعها، واستمرت في السيطرة على القاهرة ومناطق أخرى. لكن القمع لا يصنع شرعية، كما أن إسكات المقاومة لا يعني أن أسبابها قد اختفت.

لقد أظهرت الثورة أن احتلال العاصمة لا يمنح المحتل قبول أهلها، وأن السيطرة على الشوارع لا تعني السيطرة على ضمائر الناس أو ذاكرتهم.

هل انتهى عالم المماليك؟

قد يبدو، بعد معركة الأهرام ودخول نابليون القاهرة، أن العالم المملوكي قد انتهى في أيام قليلة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

فقد تفرقت قوات المماليك بعد الهزيمة، وانسحب إبراهيم بك إلى الشرق، بينما واصل مراد بك المقاومة في الصعيد، ثم دخل في مراحل من المواجهة والمساومة مع الفرنسيين بحسب تغير الظروف.

وظل المماليك قوة مؤثرة في الحياة المصرية، حتى وهم يفقدون قدرتهم القديمة على احتكار الحكم. ولم يكن الاحتلال الفرنسي قادرًا على محوهم بضربة واحدة، كما لم يكن قادرًا على إنهاء نفوذهم الاجتماعي والسياسي بمجرد هزيمتهم في ميدان القتال.

أما نابليون، فقد وجد نفسه أمام ثلاث مشكلات مترابطة: خصوم مملوكيون لم يختفوا، وقوة بريطانية تهدد وجوده من البحر، ومجتمع مصري لم يمنحه القبول الذي يحتاج إليه ليستقر حكمه.

كانت هذه المشكلات مختلفة في طبيعتها، لكنها اجتمعت لتكشف أن السيطرة على مصر ليست معركة واحدة، ولا مدينة تُفتح، ولا جيشًا يُهزم.

إنها صراع على الأرض والموارد والشرعية، وعلى قدرة المحتل على تحويل انتصاره العسكري إلى حكم مستقر، وهو أمر لا تحسمه المدافع وحدها.

حين انتصر الجيش، وخسر الاطمئنان

لم تكن حملة نابليون على مصر مجرد صفحة في تاريخ الحروب الأوروبية، بل كانت نقطة التقاء بين صراع دولي على طرق التجارة والنفوذ، وأزمة داخلية في نظام الحكم المملوكي، ومجتمع وجد نفسه أمام احتلال جديد يحاول أن يفرض سلطته باسم شعارات لا تتفق دائمًا مع ممارساته.

لقد كشفت الحملة ضعف النظام المملوكي في مواجهة جيش أوروبي أكثر تنظيمًا، لكنها كشفت أيضًا أن هزيمة المماليك لا تعني أن الفرنسيين أصبحوا أصحاب مصر بلا منازع.

فبعد الأهرام جاء أبي قير، وبعد دخول القاهرة جاءت الثورة، وبين هذه الأحداث اتضح الفارق بين أن تنتصر في معركة، وأن تستطيع حكم بلد لا يريد كثير من أبنائه أن يحكمه غريب.

لم يربح نابليون مصر كاملة حين دخل القاهرة؛ لقد ربح العاصمة، وفرض وجوده العسكري، لكنه ورث أرضًا تتنازعها المصالح، وبحرًا لم يعد آمنًا لخطوط إمداده، ومجتمعًا بدأ يكتشف حقيقة القوة التي جاءت إليه من وراء البحر.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: جاء نابليون إلى مصر وهو يطمح إلى جعلها جسرًا نحو نفوذ أوسع في الشرق، فإذا بها تتحول إلى اختبار قاسٍ لحدود قوته، وللفارق بين عبقرية القائد في ميدان القتال وقدرته على إخضاع مجتمع كامل.

لقد ربح نابليون القاهرة، لكنه لم يربح مصر كما أراد.

وفي الحلقة القادمة من «التاريخ من وراء الستار»:

حين ثارت القاهرة على نابليون

الثورة التي حطمت صورة الجيش الذي لا يُهزم، وكشفت أن احتلال المدن أسهل من إخضاع الشعوب.

 

زر الذهاب إلى الأعلى