كتبت : د. ليلى الهمامي
البارحة، تم إطلاق سراح عبد الكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى حركة النهضة، بعد إتمامه لعقوبته السجنية.
خروجه دفع البعض إلى الحديث عن بداية انفراج سياسي، ودفع بالبعض الآخر إلى التأكيد على أن خلاف السلطة الحالي ليس مع قواعد النهضة، بل مع قيادة الحركة تحديدا.
وعلى هامش هذا الحدث، يذكر الجميع أن الهاروني كان من أهم الشخصيات التي حفزت أوسع الجماهير، دون قصد، على دعم مسار الخامس والعشرين من جويلية. فالكل يذكر، في أيام الكورونا، ظهوره في ساحة الحكومة بالقصبة، متوجها إلى قواعد حركة النهضة المطالبين بالتعويضات، حيث أكد بكل صلف أن التعويضات حق مستحق، وعلى الجميع، حكومة وشعبا، أن يخضع لذلك “الحق” بين ظفرين.
ملف كامل دفع أكثر من محلل وأكثر من حقوقي إلى المطالبة بكشف حساب التعويضات التي تحصلت عليها حركة النهضة وغيرها، باعتبار أنه توجد إلى حد الآن قائمة منشورة أدرجت فيها أهم أسماء الساحة السياسية، على الأقل جبهة 14 جانفي، مع مبالغ مالية تؤكد الوثيقة أن أصحاب هذه الأسماء تحصلوا عليها، أو على الأقل رصدت لهم في إطار مسار العدالة الانتقالية المشكوك فيه والمطعون فيه قضائيا بطبيعة الحال.
إنها مشكلة حقيقية، مسألة التعويضات. حتى أن وزير مالية سابق اعتبر أن التعويضات تمت أيضا عبر انتدابات عشوائية أغرقت ميزانية الدولة في استحقاقات مالية لم تكن مخططة ولم تكن مبرمجة.
وللتذكير، فإن التعويضات، على سبيل الذكر، كانت موجودة أيضا في عهد بن علي، حيث وجهت مجموعة من التعويضات لمجموعة من الإسلاميين، وهذا على الأقل ما أعلن في إطار لجنة تحقيق ترأسها الراحل منصور الرويسي. وبعد 14 جانفي، لا أحد ذكر هذه اللجنة ولا أحد ذكر التعويضات التي قدمها بن علي لمجموعة من منتسبي حركة النهضة.
إنه ملف حارق وهام، وهو ملف إلى حد الآن لا الدولة ولا الأحزاب السياسية ولا المنظمات ضبطت قائمته النهائية: من انتفع بها؟ وبأي حق انتفع بها؟
إن تقديرات العدالة الانتقالية ورئيستها هي تقديرات منحازة بطبيعة الحال، و 14 جانفي هو جزء من الربيع الملون، وجزء لا يتجزأ من سيناريو الربيع التونسي، وهو ربيع بين ظفرين بطبيعة الحال.
لكن علينا أن نتوقع أيضا أن يعود هؤلاء في المستقبل للمطالبة بتعويضات جديدة. فأمينة الزغلامي، من الرموز النسائية لحركة النهضة، أكدت أن التعويضات ستنالها الحركة، أراد من أراد وكره من كره.
ويبدو أن الجميع يكره هذا الأمر، لكن الجميع يقف مبهوتا أمام هذا التمشي الذي جعل من النهضة بالفعل مجرد جماعة، وجعل مشاركاتها في الحياة العامة موجهة فقط لخدمة الجماعة. فلم ترتق النهضة يوما إلى مستوى المسؤولية الوطنية. حركة تمكنت من السلطة، ثم استمرت في الحكم خلال عشر سنوات، ولم تنجز ما التزمت به كسلطة مسؤولة عن دولة وشعب، وإنما اكتفت بأن تمارس الحكم كجماعة، واكتفت بأن تنشغل فقط بشؤونها كجماعة.
وهذا أمر مفتوح لحساب قادم.








