مقالاتمنوعات

من الحب إلى الانتقام.. حين تُربكنا الدراما في اختيار شريك الحياة!. بقلم: هبة شاهين

من الحب إلى الانتقام.. حين تُربكنا الدراما في اختيار شريك الحياة!

 

بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية

لم تعد المشكلة أن بعض الشباب يدخلون الزواج بتوقعات غير واقعية فحسب، بل أن بعضهم أصبح يدخل العلاقة وهو يحمل في داخله تصورات متناقضة عن الحب، والتضحية، والكرامة، والعدل؛ يريد شريكًا يتقبله بكل عيوبه، لكنه لا يقبل عيوب شريكه، ويطالب بالاحتواء، لكنه قد يفسر احتياجات الطرف الآخر باعتبارها قيودًا، ويبحث عن الوفاء، بينما يضع لنفسه استثناءات لا يقبلها من غيره.

وهنا تبدأ أزمة ازدواجية المعايير: أن نطالب الآخرين بمبادئ لا نلتزم بها نحن، وأن نبحث عن شريك مثالي بمقاييس لا نطبقها على أنفسنا.
حين تتحول الدراما إلى دليل لاختيار الشريك
لا شك أن الدراما قادرة على ملامسة مشاعرنا وكشف عيوب المجتمع، لكن الخطورة تبدأ حين تتحول القصص الاستثنائية إلى قواعد نحكم بها على العلاقات الواقعية.

فبعض الأعمال الدرامية تقدم التضحية وكأنها طريق مضمون إلى الخذلان، وتصور الطرف الذي صبر واحتوى وتنازل باعتباره ضحية ساذجة، ثم تمنح الانتقام مساحة البطولة، وكأن إيذاء من أخطأ في حقنا هو الوسيلة الوحيدة لاستعادة الكرامة.
وهنا تصل رسالة غير مباشرة إلى المشاهد: لا تمنح كثيرًا، لا تسامح، لا تثق، ولا تتنازل؛ لأنك ستُستغل حتمًا، وإذا جُرحت فاجعل الطرف الآخر يتألم كما تألمت.
لكن هل هذه هي الحقيقة؟
الحقيقة أن التضحية ليست ضعفًا، كما أن التنازل ليس دائمًا فضيلة، والانتقام ليس دليلًا على القوة.
المشكلة ليست في العطاء، بل في العطاء الذي يلغي صاحبه، وليست في التسامح، بل في التسامح الذي يتحول إلى تصريح بتكرار الإساءة، وليست في الثقة، بل في منحها دون وعي أو حدود.

كما أن الدراما، حين تختزل العلاقة في ظالم وضحية، قد تتجاهل التعقيد الحقيقي للعلاقات الإنسانية؛ فليس كل من تنازل ضحية، وليس كل من انسحب خائنًا، وليس كل من طالب بحقه منتقمًا. والحكم العادل يحتاج إلى فهم الوقائع، لا إلى الانحياز التلقائي لمن يجيد تقديم نفسه في صورة المظلوم.

قبل أن تبحث عن شريك حياتك.. اسأل نفسك عن معاييرك
من أخطر ما يواجه المقبلين على الزواج غياب الثوابت الواضحة في الاختيار، واستبدالها بالانجذاب اللحظي، أو المظهر الاجتماعي، أو الوعود العاطفية، أو الخوف من فوات الفرصة.
قد تبحث الفتاة عن رجل كريم، لكنها لا تنتبه إلى احترامه للآخرين وقت الخلاف. وقد يبحث الشاب عن امرأة متفهمة، لكنه يقصد أحيانًا امرأة تتنازل عن احتياجاتها باستمرار. وقد يطالب كل طرف بالصدق، بينما يخفي عن الآخر ما يعلم أن معرفته قد تؤثر في قراره.

وهنا لا تكفي عبارة «نحن نحب بعضنا» لضمان نجاح الزواج؛ فالحب مهم، لكنه لا يعوض غياب الاحترام، ولا يصلح وحده اختلاف القيم الجوهرية، ولا يضمن القدرة على تحمل المسؤولية.
فالاختيار الواعي لا يسأل فقط: هل أحب هذا الشخص؟
بل يسأل أيضًا:
هل أستطيع أن أبني معه حياة آمنة وعادلة ومستقرة

ومن أهم المعايير التي ينبغي النظر إليها:

-الأخلاق والصدق: هل تتطابق أفعاله مع أقواله؟
-وهل يعترف بخطئه أم يبرر كل تصرفاته؟
-الاحترام وقت الخلاف: هل يناقش دون إهانة أو تهديد أو ابتزاز عاطفي؟
-المسؤولية والنضج: هل يتحمل نتائج قراراته، أم يلقي اللوم دائمًا على الآخرين؟
-التوافق في القيم: كيف ينظر إلى الأسرة، والمال، والعمل، والأبناء، والخصوصية، -وحدود تدخل الأهل؟
القدرة على الحوار والتغيير: هل يقبل التفاهم والتفاوض، أم يرى أن الحب يمنحه الحق في فرض إرادته؟
-التوازن في العطاء: هل العلاقة قائمة على المشاركة المتبادلة، أم على استنزاف طرف لصالح الآخر؟

ولا تعني هذه المعايير البحث عن إنسان بلا عيوب؛ فهذا غير واقعي. إنما تعني البحث عن إنسان يعرف عيوبه، ويحترم حدودك، ويملك استعدادًا حقيقيًا للإصلاح.

التضحية التي تبني.. والتضحية التي تهدم
لا يمكن أن تقوم حياة زوجية دون تنازلات متبادلة؛ فالحياة المشتركة تحتاج إلى المرونة، وتقديم الأولويات أحيانًا، وتجاوز الهفوات، ومراعاة اختلاف الطباع.

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين أن أتنازل لأنني أختار المشاركة، وأن أتنازل لأنني أخشى الهجر، أو أتحمل الإهانة حتى لا أخسر العلاقة، أو أتخلى عن حقوقي كي أثبت أنني أحب.

{التضحية الصحية} تقرّب الطرفين دون أن تلغي أحدهما، أما التضحية المؤذية فتجعل أحدهما يختفي تدريجيًا كي يستمر الآخر كما يريد.
ومن المهم أيضًا أن نفهم أن العطاء لا ينشئ دينًا عاطفيًا يُجبر الطرف الآخر على البقاء. فقد يقدم إنسان الكثير، ثم يكتشف أن العلاقة لم تعد مناسبة؛ وهنا يكون الانفصال المؤلم أحيانًا أصدق من الاستمرار بدافع الذنب. لكن لا يحق لأحد أن يستغل عطاء شريكه أو يهينه أو يخدعه.

من الضحية إلى المنتقم..
دائرة لا تنتهي
ومن الرسائل الأخطر التي قد ترسخها بعض القصص أن المظلوم يستعيد كرامته عندما ينتقم، وأن إيلام الطرف الآخر يحقق العدالة.
لكن الانتقام لا يمحو الضرر، بل قد يصنع ضررًا جديدًا، ويحول صاحب الحق إلى طرف يرتكب أفعالًا لا يمكن تبريرها بما تعرض له سابقًا.
أن تُظلَم لا يمنحك حق الظلم، وأن تُخذَل لا يجعل إيذاء الآخرين علاجًا لخذلانك.
من حق الإنسان أن يغضب، وأن ينسحب من علاقة مؤذية، وأن يطلب حقوقه، وأن يضع حدودًا حازمة، وأن يلجأ إلى الوسائل المشروعة لحماية نفسه. لكنه ليس مضطرًا إلى التشهير أو الإذلال أو التلاعب كي يثبت أنه قوي.
فالكرامة ليست أن تجعل من جرحك يذوق الألم نفسه، بل أن تمنع تكرار الأذى، وتستعيد قدرتك على الاختيار، وتخرج من التجربة دون أن تفقد احترامك لنفسك.

رسالة إلى المقبلين على الزواج
-لا تختار شريكك وفق الدور الذي يؤديه في بداية العلاقة، بل راقب سلوكه حين يغضب، وحين يختلف معك، وحين لا يحصل على ما يريد.
-ولا تجعل الخوف من الوحدة يدفعك إلى قبول ما لا تستطيع التعايش معه،
-كما لا تجعل قصص الخذلان تقنعك بأن كل علاقة تنتهي بالأذى.
تعلم أن تفرق بين المرونة والتنازل عن الكرامة، وبين التسامح وتكرار تعريض النفس للأذى، وبين الخصوصية والإخفاء، وبين الحب والتملك.

واسأل نفسك أيضًا: -هل أطلب من شريكي ما ألتزم به أنا؟ هل أقبل منه ما أفعله بنفسي؟ هل أبحث عن شريك أشاركه الحياة، أم عن شخص يحقق تصوري عنها دون أن تكون له احتياجات وحدود؟
فالزواج الناجح لا يحتاج إلى طرف يضحي دائمًا وطرف ينتفع دائمًا، ولا إلى شخص يخطئ وآخر ينتقم، بل إلى اثنين يعرفان أن الحب مسؤولية متبادلة، وأن الاختلاف لا يبرر الإهانة، وأن الكرامة لا تتعارض مع الاحتواء.

في النهاية
علينا أن نعيد النظر في الرسائل التي نستهلكها ونرددها؛ فالدراما قد تفتح أعيننا على أخطاء حقيقية، لكنها لا ينبغي أن تختار عنا شركاء حياتنا، ولا أن تزرع فينا الخوف من كل تضحية أو الشك في كل مشاعر صادقة.
لا تدخل الزواج وأنت تبحث عن شخص لن يجرحك أبدًا، فهذا وعد لا يستطيع أحد ضمانه؛ ادخله وأنت تبحث عن إنسان يحترمك، ويعترف بخطئه، ويسعى إلى إصلاحه، ويعرف أن الخلاف ليس حربًا، وأن الحب ليس تنازلًا بلا نهاية، وأن الانتقام ليس عدلًا.
فالعلاقة الناضجة ليست تلك التي لا يتألم فيها أحد، بل تلك التي لا يتحول فيها الألم إلى سلاح، ولا تتحول فيها التضحية إلى استغلال، ولا تصبح فيها الكرامة ثمنًا للبقاء.

زر الذهاب إلى الأعلى