الدين و الحياة

أصل التأريخ بالهجرة النبوية. بقلم / محمـــد الدكـــروري

أصل التأريخ بالهجرة النبوية

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

إن التأريخ بالهجرة النبوية مظهر من مظاهر تميز الأمة المسلمة وعزتها ويعود أصل هذا التأريخ إلى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما ألهم الله تعالي الفاروق الملهم أن يجعل للأمة تأريخا يميزها عن الأمم الكافرة استشار الصحابة فيما يبدأ به التأريخ، أيأرخون من مولده عليه الصلاة والسلام ؟ أم مبعثه ؟ أم هجرته ؟ أم وفاته ؟ وكانت الهجرة أنسب الخيارات، أما مولده وبعثته فمختلف فيهما وأما وفاته فمدعاة للأسف والحزن عليه، فهدى الله تعالى الصحابة إلى إختيار الهجرة منطلقا للتأريخ الإسلامي، وظلت الأمة تعمل بهذا التأريخ قرونا متطاولة حتى ابتليت في هذا العصر بالذل والهوان ففقدت هيبتها وأعجبت بأعدائها واتبعتهم حذو القذة بالقذة حتى هجرت معظم الدول المسلمة تأريخها الإسلامي فلا يكاد يعرف إلا في المواسم كرمضان والحج وأرخت بتواريخ الملل المنحرفة، ولقد نسينا تاريخنا فأنسينا تأريخنا وأضعنا أيامنا فضاعت أيامنا.

وما لم نرجع إلى ديننا الذي هو عصمة أمرنا فسلام على مجدنا وعزنا، وإن في استقبال عام هجري جديد يذكرنا بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم أن بعثه الله والضلال قد خيم على أهل الأرض وقد مقتهم الله عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب بعثه والناس يعبدون الحجارة والأوثان والأولياء من دون الله ويعيشون على السلب والنهب والقتل فبعث الله محمدا رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة وبصر به من العمى وقام بأداء رسالة ربه خير قيام فبشر وأنذر، وصدع بأمر الله تعالى وجهر، وجعل المشركون يسخرون منه ويستهزئون به ويؤذونه أشد الأذى ويعذبون من آمن به ليردوهم عن دينهم وكان عمه أبو طالب يحميه من أذى قومه وكانت زوجته خديجة رضي الله عنها تؤنسه وتعينه واشتد أذى قومه له ولمن آمن به لما مات عمه أبو طالب وزوجه خديجة رضي الله عنها.

فإشتد حزنه وتطاول عليه المشركون وقويت عليه الكربة وضاق به الحال فقيض الله له الأنصار من أهل المدينة والتقوا به في موسم الحج وآمنوا به وبايعوه على أن يمنعوه إذا قدم إليهم في المدينة مما يمنعون منه نساءَهم وأولادهم وبعد البيعة أذن الله له بالهجرة فهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول بعد ثلاث عشرة سنة من بعثته وبصحبته أبو بكر الصديق رضي الله عنه فاستقبله الأنصار ومنعه الله بهم من أذى الكفرة والمشركين وأسس الدولة الإسلامية وما هي إلا أعوام قليلة حتى فتح الله له مكة فدخلها فاتحا منصورا تحيط به جيوش التوحيد وكتائب الإسلام ثم دانت له عرب الجزيرة وتوطد فيها حكم الإسلام وعُبد الله وحده لا شريك له، وهذه الحادثة العظيمة تمد المسلمين بالعبر والعظات والدروس والتوجيهات وقد شاء الله تعالى أن تكون بأسباب مألوفة للبشر، فقد تزود فيها النبي صلى الله عليه وسلم للسفر وركب الناقة واستأجر الدليل الخريت.

وإتخذ صاحبا وتخفى وجعل الإمام علي في فراشه ولو شاء الله لحمله على البراق ولكن ليكون قدوة لأمته من بعده في فعل الأسباب والأخذ بها مع التوكل على الله تعالي، وإن حال المسلمين اليوم يوجب الإستفادة من معاني الهجرة النبوية فلن يصلح حال المسلمين في هذا العصر إلا بما صلح به أولها، وإن من أهم دروس الهجرة هو أن المسلم مأمور بعبادة ربه كل وقت وحين ولو حيل بينه وبين ذلك في مكان إقامته وجب عليه الخروج إلى أرض الله الواسعة ليعبد ربه، ومن دروس الهجرة هو الثقة بنصر الله ووعده عند الشدائد وكمال اليقين بمعيّة الله تعالى لعباده المؤمنين يقينا راسخا لا تزعزعه عواصف الباطل، ولا يزلزله إرعاد أهله ولا إبراقهم، ولا يهزه تهديدهم ولا وعيدهم ، فحين عظم الخطب وأحدق الخطر ببلوغ المشركين باب الغار الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وقال أبو بكر رضي الله عنه.

والله يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لرآنا، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ” يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ” وأي معية تعدل معية الله ؟ إنها الحصن الحصين من كل الغوائل، والعدة في كل شدة، والدرع الواقي من سهام البوائق والشرور، لكن هذه المعية الخاصة التي تكون بالتأييد والتوفيق والحفظ والمعونة والنصر إنما جعلها الله تعالى لأوليائه المتقين المحسنين الذين بذلوا حق الله عليهم في توحيده وإفراده بالعبادة وترك الإشراك به، ثم بإمتثال أوامره والإنتهاء عما نهاهم عنه.

زر الذهاب إلى الأعلى