انطلاقة جديدة لبناء دولة الإسلام
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كانت الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة انطلاقة جديدة لبناء دولة الإسلام وإعزازا لدين الله تعالى وفاتحة خير ونصر وبركة على الإسلام والمسلمين، لذا فإن دروس الهجرة الشريفة لا تنتهي ولا ينقطع مداها فمن هذه الدروس والعبر هو أن المؤمن يحسن التوكل على الله تعالى، وحسن التوكل على الله تعالى، يعني صدق إعتماد القلب على الله في دفع المضار وجاب المنافع، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي إلا الله ولا يمنع إلا الله ولا يضر ولا ينفع سواه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا” رواه أحمد، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة الشريفة متوكلا على ربه واثقا بنصره يعلم أن الله كافيه وحسبه ومع هذا كله لم يكن صلى الله عليه وسلم بالمتهاون المتواكل الذي يأتي الأمور على غير وجهها.
بل إنه أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية وإتقان، وإن أصحاب الرسالات في هذه الحياة لا بد أن تواجههم المصاعب والمتاعب والمحن والابتلاءات، فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة يهيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة ويقذف الإيمان في قلوب الأنصار، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين، وإن طريق الدعوة إلى الله شاق محفوف بالمكاره والأذى لكن من صبر ظفر ومن ثبت انتصر، ولقد ثبت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أذى قريش وكان النبي صل الله عليه وسلم يطمأنهم بأن النصر قادم، وأن الله تعالى قد يبتلي أولياءه وأحبابه من أصحاب الرسالات والدعوات بالمحن والشدائد ولكن لا يتركهم لتلك المحن والشدائد حتى تعصرهم بل يمحصهم ويرفع من قدرهم ثم يؤيدهم بالمعجزات التي ثبت صدق دعواهم، وفي رحلة الهجرة الشريفة تجلت معجزات وآيات وبراهين.
تؤكد صدق دعوى النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم، وكما كان دور المرأة المؤمنة في تحمل أعباء الدعوة، هو دور كبير وعظيم فقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها الملجأ الدافئ الذي يخفف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحينما نزل عليه الوحي في غار حراء وجاءها يرتجف ويقول زملوني زملوني ولما ذهب عنه الروع، قال صلي الله عليه وسلم للسيدة خديجة رضي الله عنها “قد خشيت علي ” فقالت له كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق” متفق عليه، ويتجلى دور المرأة المسلمة في الهجرة الشريفة من خلال الدور الذي قامت به السيدة عائشة وأختها السيدة أسماء رضي الله عنهما حيث كانتا نعم الناصر والمعين في أمر الهجرة فلم يخذلا أباهما أبا بكر مع علمهما بخطر المغامرة، ولم يفشيا سر الرحلة لأحد.
ولم يتوانيا في تجهيز الراحلة تجهيزا كاملا، إلى غير ذلك مما قامتا به، وهناك نساء أخريات كان لهن دور بارز في التمهيد لهذه الهجرة المباركة منهن نسيبة بنت كعب المازنية وأم منيع أسماء بنت عمرو السلمية، فينبغي علينا جميعا أيها المسلمون أن نفهم قيمة الوعي فمعرفة أساليب الفتنة وسيلة للتحصن منها، فالإنسان لا يستطيع أن يتقي خطرا يجهل طرائق ظهوره، ولهذا ينبغي أن يكون المجتمع قادرا على التمييز بين الخبر والمعلومة المجهولة، وبين النقد المسؤول والتحريض، وبين الخطأ الفردي والتعميم الذي يهدم الثقة، وبين المطالبة بالإصلاح وبين نشر اليأس والفوضى، واعلموا أن الشائعات تجد بيئة خصبة حين يزداد الغموض وتتضاعف أهمية الموضوع لدى الجمهور، كما أظهرت دراسات حديثة لانتشار الأخبار على شبكات التواصل سرعة إنتشار بعض الأخبار الكاذبة مقارنة بالأخبار الصحيحة.
ولذلك أصبحت التربية الإعلامية جزءا مهما من بناء الوعي فلا يكفي أن نعلم أبناءنا كيف يقرأون، بل ينبغي أن نعلمهم كيف يتحققون مما يقرؤون، ويميزون بين الخبر والرأي، ويتعرفون إلى المصدر والسياق والتاريخ، ويدركون أن سرعة النشر ليست دليلا على صحة المعلومة، ومن الإجراءات العملية لقضية الوعي هو أنه لا تنشر خبرا قبل التحقق من مصدره وسياقه وتاريخه، وارجع في القضايا المتخصصة إلى أهل الاختصاص والجهات المعنية، واسأل عن مصلحة من يروّج الخبر وهدفه، ولا تجعل الغضب أو الخوف هو الذي يقرر ما تنشر، وعلّم أبناءك أن يتوقفوا قبل المشاركة والتعليق وإعادة النشر، فالكلمة الواعية تحمي مجتمعا، والكلمة المندفعة قد تمنح الفتنة ما تحتاج إليه، ولذلك كان التثبت من الأخبار، وحفظ اللسان، وصيانة الثقة، والتعاون على الإصلاح، جزءا من إعداد القوة التي تحفظ أمن المجتمع وتماسكه.








