.
سامح السماحي… رحلة كفاح صنعتها الأيام، ولم تكسرها الصعاب
بقلم/نشأت البسيوني
حكاية رجل بدأت رحلته مبكرا، وتعددت محطاتها بين العمل والرياضة والغربة، وظل الحلم رفيقا له رغم ما واجهه من تحديات
ليست كل الحكايات التي تستحق أن تروى مرتبطة بالأضواء والشهرة، وليست كل النجاحات تقاس بعدد الميداليات أو الألقاب التي يحملها أصحابها. فهناك حكايات أخرى أكثر عمقا، حكايات يصنعها الصبر، وتكتب سطورها الأيام الصعبة، وتمنحها التجارب الإنسانية قيمة لا تستطيع الأضواء وحدها أن تصنعها.
ومن بين هذه الحكايات تأتي رحلة الكابتن سامح السماحي، ذلك الرجل الذي لم تكن بدايته مفروشة بالطرق السهلة، ولم تكن خطواته الأولى تشبه خطوات من وجدوا أمامهم كل الإمكانات والفرص. لقد بدأ مبكرا، وتحمل المسؤولية في عمر صغير، وخاض تجارب متعددة، وانتقل بين مجالات مختلفة، وظل يبحث عن مكان يليق بحلمه وشغفه.
إنها حكاية إنسان عرف معنى التعب قبل أن يعرف معنى الاستقرار، وعرف قيمة العمل قبل أن تتضح له ملامح الطريق، وخاض معارك كثيرة لم تكن كلها فوق بساط رياضي أو داخل ملعب، بل كان بعضها معركة مع الظروف، وبعضها معركة مع الواقع، وبعضها الآخر معركة صامتة مع النفس.
البداية… حين يصبح العمل مدرسة للحياة
في سن الثانية عشرة، كان سامح السماحي قد بدأ بالفعل رحلة العمل وتحمل المسؤولية. في الوقت الذي كان فيه كثير من الأطفال يعيشون تفاصيل طفولتهم بصورة طبيعية، كان هو يكتشف مبكرا أن الحياة لا تمنح الجميع البداية نفسها، وأن على الإنسان أحيانا أن يتقدم بخطوات أكبر من عمره.
كان والده يعمل في التجارة، لكن سامح لم يجد نفسه في هذا الطريق، ولم يكن يرغب في أن تكون حياته مجرد امتداد لمهنة اختارها غيره. كان لديه ميل إلى تجربة أشياء مختلفة، ورغبة في اكتشاف عالمه الخاص، ولذلك تمرد على المسار التقليدي الذي كان ينتظره، واتجه إلى العمل في مجالات متعددة.
لم تكن تلك الخطوة مجرد رغبة عابرة في التغيير، بل كانت بداية تكوين شخصية اعتادت الاعتماد على نفسها، وتعلمت أن الرزق يحتاج إلى سعي، وأن الطريق لا يفتح أبوابه دائما لمن ينتظر، وإنما لمن يطرقها ويحاول مرة بعد أخرى.
لقد منحت هذه المرحلة سامح خبرة مبكرة في التعامل مع الناس والحياة، وجعلته يدرك أن العمل ليس مجرد وسيلة للحصول على المال، بل مدرسة يتعلم فيها الإنسان الصبر والانضباط وتحمل المسؤولية.
حارس المرمى… حلم أول لم يكتمل
قبل أن يعرف طريقه إلى رياضات الفنون القتالية، كان لكرة القدم مكان خاص في حياة سامح السماحي. فقد أحب اللعبة منذ طفولته، واتجه إلى مركز حراسة المرمى، ذلك المركز الذي يحتاج إلى شخصية مختلفة، وإلى قدر كبير من التركيز والشجاعة وسرعة اتخاذ القرار.
لم يكن حارس المرمى بالنسبة إليه مجرد لاعب يقف بين القائمين، بل كان موقعا يحمل مسؤولية كبيرة، فخطأ واحد قد يغير نتيجة مباراة، وتصرف صحيح قد ينقذ فريقا كاملا.
ومع الوقت، بدأ اسمه يظهر في محيطه الرياضي، ولفت الأنظار بموهبته، واستمر في التدريب حتى تمكن من الصعود إلى أحد فرق الدرجة الثالثة، وهي خطوة كانت تعني أن حلمه الكروي بدأ يقترب من مساحة أكثر جدية.
لكن الحياة لا تسير دائما وفق ما نخطط له. فهناك أحلام تتوقف لأسباب لا تكون بالضرورة مرتبطة بضعف الموهبة أو غياب الرغبة، وإنما تتداخل فيها ظروف كثيرة قد لا يملك الإنسان السيطرة عليها.
وهكذا لم يستكمل سامح مشواره في كرة القدم، لكن التجربة لم تكن بلا قيمة. فقد تركت داخله دروسا مهمة، وعلمته أن الطريق الرياضي يحتاج إلى التزام طويل، وأن الموهبة وحدها لا تكفي دائما للوصول إلى النهاية التي يتمناها صاحبها.
وربما لم يكن يدرك وقتها أن ابتعاده عن كرة القدم لن يكون نهاية علاقته بالرياضة، بل سيكون بداية طريق آخر لم يكن يتوقع أن يصبح جزءا أساسيا من حياته.
الووشو والكونغ فو… صدفة تحولت إلى شغف
في مرحلة المراهقة، بدأت ملامح جديدة تظهر في رحلة سامح السماحي الرياضية. فقد تعرف بالصدفة إلى رياضة الووشو والكونغ فو، ولم يكن يتوقع أن تتحول هذه المصادفة إلى محطة رئيسية في حياته.
كانت البداية مختلفة عن كرة القدم، فهذه الرياضة لا تعتمد فقط على المهارة البدنية، بل تحتاج إلى الانضباط والتركيز والتحكم في النفس، وإلى قدرة مستمرة على تطوير الأداء واحترام قواعد التدريب.
ومع أولى خطواته في هذا المجال، بدأ سامح يشعر بأنه وجد شيئا يقترب من طبيعته وطموحه. لم يعد الأمر مجرد ممارسة رياضية لملء وقت الفراغ، بل أصبح شغفا حقيقيا دفعه إلى الاستمرار والتعلم والتدريب.
غير أن الطريق لم يكن سهلا. فقد كان عليه أن يوازن بين الدراسة والعمل والتدريب، وأن يواجه متطلبات الحياة اليومية في الوقت الذي كان يحاول فيه بناء نفسه رياضيا.
كانت الظروف المادية تمثل تحديا، كما كانت المسؤوليات العملية والتعليمية تستهلك جانبا كبيرا من وقته وجهده. ومع ذلك، لم يتخل عن التدريب، ولم يسمح للصعوبات بأن تسحب منه الشيء الذي بدأ يحبه.
لقد كان يدرك أن الوصول إلى مستوى أفضل يحتاج إلى ثمن، وأن هذا الثمن قد يكون ساعات طويلة من التعب، وتضحيات لا يراها الآخرون، ومحاولات متكررة لا يعرف أحد عددها.
من لاعب مجتهد إلى مدرب في سن الثامنة عشرة
كان من أهم المحطات في حياة سامح السماحي تعرفه إلى مدرب مصري درس رياضة الووشو والكونغ فو في الصين، وتتلمذ على يديه، واستفاد من خبرته ومعرفته باللعبة.
لم يكن التدريب بالنسبة إلى سامح مجرد حضور حصة رياضية والانصراف بعدها، بل كان فرصة للتعلم واكتساب الخبرة وفهم تفاصيل اللعبة بصورة أعمق.
وبمرور الوقت، بدأ يتميز بين زملائه، وظهر لديه استعداد واضح للتطور، سواء من ناحية الالتزام أو القدرة على استيعاب التعليمات أو التعامل مع متطلبات التدريب.
ولم تمر هذه الجهود دون أن يلاحظها مدربه، فانتقل سامح من مرحلة اللاعب المتعلم إلى مرحلة تحمل المسؤولية، وأصبح مساعد مدرب، ثم مدربا وهو في سن الثامنة عشرة.
كانت هذه الخطوة كبيرة بالنسبة إلى شاب في ذلك العمر، خاصة أنه أصبح مسؤولا عن تدريب أطفال داخل أحد الأندية المهمة.
وهنا تغيرت طبيعة علاقته بالرياضة. فلم يعد الأمر مقتصرا على تطوير مستواه الشخصي، بل أصبح مطالبا بنقل ما تعلمه إلى الآخرين، ومتابعة المتدربين، ومساعدتهم على اكتساب المهارات والانضباط.
إن الانتقال من مقعد اللاعب إلى موقع المدرب ليس أمرا بسيطا، لأنه يحتاج إلى قدرة على الشرح والتوجيه والصبر، وإلى إدراك أن كل لاعب له طبيعته واستعداده وطريقته في التعلم.
وقد كانت هذه المرحلة بداية اكتشاف جانب آخر من شخصية سامح، وهو الجانب الذي لا يكتفي بممارسة الرياضة، بل يسعى إلى أن يكون له دور في تعليمها وصناعة جيل جديد من ممارسيها.
التدريب مسؤولية قبل أن يكون لقبا
أن تصبح مدربا في عمر الثامنة عشرة يعني أن تتحمل مسؤولية مبكرة، وأن تتعلم كيف تكون قدوة لمن هم أصغر منك سنا، وكيف تتعامل مع اختلاف قدراتهم واحتياجاتهم.
ولم يكن لقب المدرب بالنسبة إلى سامح مجرد مسمى يضاف إلى اسمه، بل كان تجربة عملية جديدة، أضافت إلى شخصيته خبرة مختلفة.
فالتعامل مع الأطفال يحتاج إلى صبر وهدوء، وإلى القدرة على تشجيعهم وتصحيح أخطائهم دون أن يفقدوا حماسهم. كما يحتاج إلى الالتزام، لأن المدرب لا يقدم المهارة فقط، وإنما يقدم أيضا نموذجا في احترام الوقت والنظام والتعامل.
ومن هنا يمكن فهم أهمية تلك المرحلة في تكوينه؛ فقد تعلم أن الرياضة ليست حركات تؤدى داخل صالة التدريب، وإنما منظومة من القيم والسلوكيات التي تنعكس على حياة الإنسان خارج الملعب أيضا.
الخدمة… محطة جديدة في طريق المسؤولية
بعد سنوات من العمل والتدريب، جاءت مرحلة الخدمة، وهي محطة جديدة أضافت إلى مسيرة سامح تجربة مختلفة.
وخلال فترة خدمته، كان له دور تدريبي في مجال اللعبة، وهو ما أتاح له مواصلة ارتباطه بالرياضة رغم تغير ظروف حياته ومسؤولياته.
لم تكن هذه المرحلة مجرد فترة تمر وتنتهي، بل كانت امتدادا لتجربته في التدريب، وفرصة للاستفادة من خبراته السابقة وتطبيق ما تعلمه في ظروف جديدة.
فقد اعتاد سامح أن يتعامل مع التغيير باعتباره جزءا من الحياة، وأن يحاول الاستفادة من كل مرحلة مهما اختلفت طبيعتها عن المرحلة التي سبقتها.
ومع انتهاء الخدمة، كان يتطلع إلى استكمال مشواره الرياضي والتدريبي، لكنه اصطدم بواقع لم يكن كما توقع.
بعد انتهاء الخدمة… صدمة البحث عن فرصة
أحيانا لا تكون أصعب اللحظات في حياة الإنسان هي لحظات الفشل، وإنما اللحظات التي يجد فيها نفسه مستعدا للعطاء، لكنه لا يجد المكان الذي يستطيع أن يقدم فيه ما لديه.
وهذا ما واجهه سامح بعد انتهاء فترة خدمته. فقد كان يحمل خبرة في التدريب، ولديه رغبة في مواصلة العمل في اللعبة، لكنه لم يجد الفرصة المناسبة التي تتيح له الاستمرار بالشكل الذي كان يطمح إليه.
كانت صدمة صعبة، خاصة أن الإنسان حين يقضي سنوات في بناء خبرته وتطوير نفسه، ينتظر أن يجد طريقا يستطيع من خلاله استثمار ما تعلمه.
لكن الواقع لم يكن ممهدا، ولم تكن الفرص متاحة بالصورة التي كان يتمناها.
وبدلا من أن يستسلم لفكرة التوقف، بدأ يفكر في البحث عن فرصة خارج حدود بلده، لعل الغربة تفتح له بابا لم يجده في وطنه.
الأردن… خطوة بحثا عن الحلم
كانت الأردن أولى محطات سفر سامح السماحي بحثا عن فرصة جديدة.
لم يكن السفر بالنسبة إليه مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كان محاولة جادة لإعادة ترتيب الطريق، والبحث عن مساحة يستطيع من خلالها ممارسة اللعبة والعمل في المجال الذي أحبه.
حمل معه خبرته وتجاربه وطموحه، وبدأ رحلة البحث عن المكان المناسب، لكنه لم يجد هناك الفرصة التي كان ينتظرها لممارسة اللعبة بالصورة التي يتطلع إليها.
وهكذا لم تحقق هذه المحطة الهدف الذي سافر من أجله، لكنها أضافت إلى تجربته معنى جديدا للغربة.
فالغربة ليست دائما أبوابا مفتوحة، وليست كل خطوة بعيدا عن الوطن تقود إلى النجاح مباشرة. أحيانا يسافر الإنسان بحثا عن بداية، فيجد نفسه أمام اختبار جديد للصبر والقدرة على الاستمرار.
ومع ذلك، لم تكن الأردن نهاية المحاولة، بل كانت محطة في طريق أطول.
لبنان… سنوات من العمل وتحقيق جانب من الطموح
بعد الأردن، اتجه سامح إلى لبنان، وهناك بدأت مرحلة مختلفة في حياته.
فقد أمضى فترة من عمره مدربا، واستطاع أن يعمل في المجال الذي ارتبط به منذ سنوات، وأن يحقق جانبا من طموحه الرياضي والتدريبي.
كانت هذه التجربة بمثابة مساحة جديدة استطاع فيها أن يستفيد من خبراته السابقة، وأن يواصل دوره في التدريب، وأن يعيش تفاصيل الحياة بعيدا عن وطنه.
ولم تقتصر حياته في تلك المرحلة على التدريب وحده، بل جمع بين العمل الفني وممارسة دوره التدريبي، محاولا أن يوازن بين متطلبات المعيشة وبين الشغف الذي ظل يرافقه.
وهنا تظهر واحدة من أهم ملامح شخصيته؛ فهو لم يكن يبحث عن طريق واحد يضمن له كل شيء، بل كان يحاول أن يصنع لنفسه أكثر من وسيلة للاستمرار.
لقد كانت سنوات لبنان مرحلة تحمل في طياتها الكثير من التفاصيل والتجارب، فقد عاش فيها معنى الاعتماد على النفس في الغربة، وتعلم كيف يواجه ظروفا جديدة، وكيف يتعامل مع اختلاف الحياة بعيدا عن المكان الذي نشأ فيه.
وبالنسبة إلى إنسان بدأ العمل في سن الثانية عشرة، لم تكن فكرة تحمل المسؤولية في بلد آخر أمرا جديدا تماما، لكنها كانت اختبارا مختلفا، لأن الغربة تضيف إلى أعباء الحياة شعورا بالبعد عن الأهل والوطن والذكريات.
ومع ذلك، استطاع أن يواصل طريقه لعدة سنوات، وأن يحقق جزءا من الحلم الذي حمله معه منذ بداياته الأولى.
العودة إلى الوطن… حين تتغير الظروف
بعد سنوات من العمل والتجربة في الخارج، عاد سامح السماحي إلى بلده.
كانت العودة محطة جديدة في حياته، لكنها لم تكن بالضرورة عودة إلى نقطة البداية؛ فقد عاد وهو يحمل سنوات من الخبرة والتجارب والذكريات، ويعرف أن الحياة علمته أشياء كثيرة لم يكن من الممكن أن يتعلمها من مكان واحد.
لكن العودة لم تخل من التحديات، فقد تعرض لإصابة في قدمه أثرت على قدرته على ممارسة اللعبة، وأصبح من الصعب عليه مواصلة النشاط الرياضي كما كان يفعل من قبل.
وهنا واجه واحدة من أصعب المحطات في رحلته، لأن الابتعاد عن شيء أحبه الإنسان لسنوات ليس أمرا سهلا، خاصة عندما يكون هذا الشيء جزءا من تكوينه وذكرياته وطموحه.
فالرياضة بالنسبة إلى سامح لم تكن مجرد نشاط عابر، بل كانت طريقا بدأه في مرحلة مبكرة من عمره، وتعلم من خلاله، وعمل فيه، وانتقل بسببه بين تجارب وبلدان مختلفة.
ومع الإصابة، تغيرت علاقته بالممارسة، لكن ذلك لا يمحو ما عاشه من سنوات التدريب والعمل، ولا يلغي الخبرة التي اكتسبها، ولا يجعل كل ما سبق مجرد صفحات انتهت.
ما وراء الحكاية… تفاصيل لا يراها الآخرون
قد ينظر البعض إلى هذه الرحلة من الخارج فيراها مجموعة من المحطات العادية: طفل عمل مبكرا، ولاعب كرة قدم لم يستكمل مشواره، ثم لاعب كونغ فو أصبح مدربا، وسافر إلى الأردن ولبنان، وعاد إلى بلده بعد سنوات.
لكن الحكايات الإنسانية لا تقاس بعدد العناوين التي يمكن تلخيصها في سطور قليلة.
فخلف كل محطة تفاصيل لا يعرفها إلا صاحب التجربة؛ ساعات من العمل، وتعب الدراسة، ومشقة التدريب، وضغوط المعيشة، ومحاولات البحث عن فرصة، وقرارات صعبة، ولحظات من الأمل والإحباط.
قد تبدو الخطوة بسيطة لمن يسمع عنها، لكنها بالنسبة إلى من عاشها ربما كانت رحلة كاملة من التفكير والقلق والتضحيات.
والسفر نفسه ليس مجرد تذكرة وحقائب، بل هو استعداد لترك المألوف، ومواجهة مجتمع جديد، والبدء من جديد في ظروف مختلفة.
والتوقف عن ممارسة رياضة أحبها الإنسان ليس مجرد تغيير في جدول يومه، بل قد يكون ابتعادا عن جزء كبير من حياته وذكرياته.
لهذا فإن قراءة تجربة سامح السماحي تحتاج إلى النظر إلى ما وراء الأحداث، وإلى فهم المعنى الإنساني الذي تحمله كل مرحلة.
بين الموهبة والظروف… طريق لا يسير دائما كما نريد
تقدم لنا هذه الحكاية صورة واقعية عن العلاقة المعقدة بين الموهبة والفرصة.
فقد يمتلك الإنسان موهبة حقيقية، ويجتهد في تطويرها، ويصل إلى مستوى يؤهله لتحمل المسؤولية، لكنه لا يجد دائما البيئة المناسبة التي تساعده على الاستمرار.
وقد يضطر إلى تغيير الطريق، أو البحث عن فرصة في مكان آخر، أو الجمع بين أكثر من عمل حتى يستطيع مواصلة حياته.
وهذا لا يعني أن التجربة فقدت قيمتها، بل يعني أن الحياة لا تسير وفق خط مستقيم، وأن النجاح أحيانا يكون في القدرة على مواصلة المحاولة، حتى عندما تتغير الوجهة.
لقد مر سامح بتجارب متعددة، ولم تكن كل تجربة منها نهاية سعيدة كما كان يتمنى، لكن كل واحدة منها تركت أثرا في شخصيته، وأضافت إلى خبرته شيئا جديدا.
فمن العمل المبكر تعلم تحمل المسؤولية، ومن كرة القدم عرف معنى الالتزام والعمل الجماعي، ومن الووشو والكونغ فو تعلم الانضباط والتركيز، ومن التدريب عرف معنى نقل الخبرة، ومن الغربة تعلم الاعتماد على النفس ومواجهة المجهول.
سامح السماحي… الإنسان قبل الألقاب
عندما نتحدث عن سامح السماحي، فإننا لا نتحدث فقط عن لاعب مارس رياضة قتالية، أو مدرب بدأ مشواره في سن مبكرة، بل نتحدث عن إنسان خاض رحلة متعددة التفاصيل.
إن قيمة هذه الحكاية لا تتوقف عند لقب أو منصب أو مرحلة رياضية بعينها، وإنما تكمن في مسار كامل من المحاولات والتجارب.
فهو لم يبدأ من ظروف مثالية، ولم ينتظر حتى تصبح الحياة سهلة لكي يتحرك. بدأ بما كان متاحا أمامه، وعمل، وتعلم، وتدرب، وحاول أن يطور نفسه، ثم انتقل إلى مراحل أخرى كلما تغيرت الظروف.
وقد تكون بعض أحلامه لم تكتمل بالصورة التي كان يتمناها، لكن هذا لا يلغي أنه عاش من أجلها، وبذل في سبيلها جهدا ووقتا، وخاض تجارب لا يمكن اختزالها في نتيجة واحدة.
فالإنسان لا تختصره محطة توقف عندها، ولا تحكم عليه تجربة لم تكتمل، ولا تلغي إصابة ما قدمه في سنوات سابقة.
الدروس التي تتركها الرحلة
من أهم ما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة أن البدايات المبكرة قد تصنع شخصية أكثر قدرة على تحمل المسؤولية، وأن العمل في سن صغيرة قد يكون مدرسة قاسية، لكنه يمنح الإنسان خبرات لا يحصل عليها بسهولة.
كما تعلمنا أن الشغف الحقيقي لا يرتبط دائما بالنتائج، فقد يحب الإنسان مجالا ويعمل فيه سنوات، ثم تجبره الظروف على الابتعاد عنه، لكن ما تعلمه خلال الرحلة يظل جزءا من تكوينه.
وتعلمنا أيضا أن الغربة ليست ضمانا للنجاح، لكنها قد تكون فرصة للتجربة واكتشاف قدرات جديدة، وأن الطريق الذي لا يفتح أبوابه في مكان قد يحتاج إلى محاولة في مكان آخر.
والأهم من ذلك كله أن قيمة الإنسان لا تقاس فقط بما وصل إليه، بل أيضا بما بذله، وبما واجهه، وبقدرته على الاستمرار في ظل ظروف لم تكن دائما في صالحه.
خاتمة… رحلة لا تختصرها النهاية
إن حكاية الكابتن سامح السماحي ليست حكاية طريق مستقيم بدأ بحلم وانتهى بتحقيقه كما هو مخطط له، وإنما هي حكاية طريق متعرج، تعددت فيه البدايات، وتغيرت فيه الاتجاهات، وظهرت خلاله فرص، وغابت أخرى، وفرضت الظروف محطات لم تكن في الحسبان.
من طفل بدأ العمل في الثانية عشرة، إلى لاعب كرة قدم في مركز حراسة المرمى، ثم لاعب في الووشو والكونغ فو، إلى مساعد مدرب ومدرب في سن الثامنة عشرة، ثم تجربة الخدمة، وبعدها رحلة البحث عن فرصة في الأردن، ثم سنوات من التدريب والعمل الفني في لبنان، وصولا إلى العودة والإصابة التي أثرت على ممارسته للرياضة.
كل هذه المحطات صنعت حكاية تستحق أن تروى، ليس لأنها خالية من العثرات، بل لأنها مليئة بالتجارب الإنسانية الحقيقية.
فليس شرطا أن يصل الإنسان إلى كل ما حلم به حتى تكون رحلته جديرة بالاحترام، وليس شرطا أن تنتهي القصة كما أراد صاحبها حتى يكون لما بذله معنى.
هناك أشخاص تكون قصتهم في الطريق نفسه، في المحاولات التي خاضوها، وفي الأبواب التي طرقوها، وفي المرات التي اضطروا فيها إلى البدء من جديد.
وسامح السماحي واحد من هؤلاء الذين تحمل رحلتهم رسالة واضحة: قد تتغير الطرق، وقد تتبدل الأحلام، وقد تفرض الحياة على الإنسان ما لم يكن يتوقعه، لكن قيمة التجربة تظل باقية، ويبقى أثر السعي شاهدا على أن صاحبها لم يكن يوما مجرد عابر في الحياة.
إنها رحلة كفاح صنعتها الأيام، ولم تكسرها الصعاب… رحلة رجل لم تكن كل الطرق فيها مفتوحة، لكنه ظل يبحث عن طريقه، ويصنع من كل تجربة فصلا جديدا في حكايته.








