أبو جعفر المنصور
الرجل الذي بنى الدولة العباسية
بقلم / محمد مصطفى كامل
الرجل الذي بنى الدولة العباسية! ليست الثورات هي التي تصنع الدول. فكم من ثورةٍ أسقطت نظامًا، ثم سقطت هي بعده بأيام أو سنوات، لأنها عرفت كيف تهدم، ولم تعرف كيف تبني. فالانتصار في ميدان القتال قد يفتح أبواب الحكم. لكن الانتصار في ميدان السياسة هو الذي يضمن بقاء الحكم.
ولهذا، لا يخلد التاريخ دائمًا أسماء الذين أشعلوا الثورات، بقدر ما يخلد أسماء الذين استطاعوا تحويل الفوضى إلى نظام، والانتصار إلى مؤسسات، والحلم إلى دولة.
وهذا هو الفارق بين أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور. فالأول افتتح العصر العباسي، وأعلن قيام الدولة الجديدة بعد سقوط بني أمية.
أما الثاني. فهو الذي أخذ تلك الدولة الناشئة، المثقلة بالمخاطر، وحولها إلى واحدة من أقوى دول التاريخ الإسلامي. ولذلك، لم يكن المنصور مجرد خليفة ثانٍ في ترتيب الدولة العباسية. بل كان مهندسها الحقيقي.
أبو جعفر المنصور
الرجل الذي بنى الدولة العباسية
حين توفي الخليفة أبو العباس السفاح سنة 136 للهجرة، كانت الدولة العباسية قد نجحت في إسقاط خصمها الأكبر، لكنها لم تكن قد ضمنت بقاءها بعد.
فالخلافة الجديدة كانت ما تزال في سنواتها الأولى، وأعداؤها أكثر من أصدقائها.
ففي أطراف الدولة، بقيت جيوب من أنصار بني أمية، وفي بعض الأقاليم ظهرت حركات لا تعترف بالحكم العباسي، كما أن كثيرًا من القادة الذين شاركوا في الثورة كانوا يرون أن لهم نصيبًا في السلطة، وأن قيام الدولة إنما كان ثمرة سيوفهم وتضحياتهم.
وكانت هذه أخطر مرحلة تمر بها أي دولة ناشئة.
فالعدو الخارجي يمكن مواجهته بالجيش.
أما مراكز القوى داخل الدولة، فهي التي كثيرًا ما تهدم الدول من داخلها.
وفي هذه اللحظة الدقيقة، انتقلت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور.
لم يكن المنصور خطيبًا مفوهًا يثير الجماهير بكلماته، ولا فارسًا اشتهر بالمغامرات العسكرية كما اشتهر غيره.
لكن الله وهبه ما هو أخطر من ذلك كله.
عقلًا سياسيًا نادرًا، وقدرة استثنائية على قراءة المستقبل. كان يرى الدولة كما يرى المهندس البناء قبل أن يوضع حجره الأول. يعرف أين يكمن الضعف. وأين يجب أن تُوضع الدعائم.
ولهذا، لم ينشغل منذ الأيام الأولى بتوسيع الفتوحات، ولا بالسعي وراء مجد شخصي. بل بدأ بالسؤال الأهم ! كيف يمكن لدولة قامت على الثورة أن تتحول إلى دولة تقوم على النظام؟ وكان يدرك أن الثورة، مهما حققت من انتصارات، لا تستطيع أن تحكم وحدها. فالثورات تقوم بالحماسة.
أما الدول فتقوم بالقانون، والإدارة، والاقتصاد، وهيبة السلطة. ومن هنا، بدأ مشروعه الكبير. لقد أراد أن ينقل الدولة العباسية من مرحلة الانتصار العسكري. إلى مرحلة الاستقرار السياسي. لكن الطريق إلى ذلك لم يكن مفروشًا بالهدوء. فحول الخليفة الجديد، كانت تتجمع قوى متعددة، لكل واحدة منها طموحاتها، ولكل منها رجالها وسلاحها ونفوذها.
وكان أخطر تلك القوى رجلًا سبق أن هز أركان الدولة الأموية، وساهم أكثر من غيره في إقامة الدولة العباسية. رجلًا كانت خراسان كلها تكاد تدين له بالطاعة. ذلك الرجل. هو أبو مسلم الخراساني. وكان المنصور يعلم أن الدولة لا يمكن أن تستقر، وفيها قائد يملك من النفوذ ما يجعل ولاء الآلاف مرتبطًا باسمه قبل اسم الخليفة.
لكن التعامل مع رجل في مكانة أبي مسلم لم يكن أمرًا يسيرًا. فهو ليس قائدًا عاديًا يمكن عزله بقرار. ولا واليًا يمكن استبداله بآخر. لقد كان أحد صناع الدولة نفسها. وكان كثيرون يرون أن الفضل في قيام الدولة العباسية يعود إليه بعد الله. وهنا وجد المنصور نفسه أمام أول امتحان حقيقي. هل يقبل بوجود مركز قوة ينافس هيبة الخلافة؟ أم يخاطر بمواجهة الرجل الذي يدين له الجيش في خراسان بولاء يكاد يكون مطلقًا؟
لقد كان يعلم أن القرار الذي سيتخذه لن يحدد مصير أبي مسلم وحده. بل سيحدد شكل الدولة العباسية لعقود طويلة. ومن هنا بدأت واحدة من أخطر المواجهات السياسية في تاريخ الإسلام. مواجهة لم تُحسم في ساحة حرب. بل داخل قصر الخليفة نفسه.
لم يكن أبو جعفر المنصور يرى أن استقرار الدولة يتحقق بكثرة الجيوش وحدها. بل كان يؤمن أن الدولة التي لا تُحكم بالقانون، سرعان ما تُحكم بالفوضى. ولهذا، فما إن استقرت له الخلافة، حتى بدأ ينقل الدولة العباسية من مرحلة الثورة إلى مرحلة الإدارة. وكان أول ما أدركه أن الدولة لا يمكن أن تُدار بعقلية الميدان. فالرجال الذين يصلحون لإسقاط دولة، ليسوا بالضرورة هم الرجال الذين يصلحون لبناء أخرى.
ومن هنا بدأ المنصور يعيد ترتيب أركان الحكم بهدوء، ويمنح كل مؤسسة دورها، ويجعل للخلافة هيبتها التي لا ينازعها فيها أحد. وكان قد حسم قبل ذلك أخطر مراكز القوى التي هددت وحدة الدولة، وفي مقدمتها نفوذ أبي مسلم الخراساني، وهي القصة التي سبق أن تناولناها في مقال الرجل الذي صنع الدولة ثم قتلته الدولة.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد في الدولة رجل تعلو كلمته على كلمة الخليفة. ولم يكن المنصور يقصد بذلك ترسيخ سلطته الشخصية فحسب. بل كان يريد أن يرسخ فكرة أن الدولة لا تقوم على نفوذ الأفراد، مهما عظمت أدوارهم، وإنما تقوم على مؤسسات تبقى إذا غاب الرجال. وهكذا، بدأ مشروعه الحقيقي. فأعاد تنظيم الدواوين، وحرص على اختيار الكُتّاب والإداريين من أصحاب الكفاءة والخبرة، وأخضع أعمالهم لرقابة دقيقة، حتى أصبحت الإدارة أكثر انضباطًا مما كانت عليه في السنوات الأولى للدولة. كما أولى بيت المال عناية خاصة. فلم يكن يرى الأموال غنيمة تُنفق بلا حساب، بل مسؤولية تُدار بحكمة، لأنها عصب الدولة، ومنها تُجهز الجيوش، وتُبنى المدن، وتُقام المرافق، ويُدفع عطاء الجند والموظفين.
ولهذا اشتهر المنصور بالحرص في الإنفاق، حتى وصفه بعض المؤرخين بالشدة في المحافظة على أموال الدولة. ورغم ما وُجه إليه من انتقادات في هذا الجانب، فإن كثيرًا من المؤرخين يرون أن هذا الحرص أسهم في توفير قاعدة مالية قوية، مكنت الدولة العباسية من تنفيذ مشروعاتها الكبرى في العقود اللاحقة. ولم يغفل المنصور عن الأقاليم البعيدة. فكان يتابع أخبار ولاته، ويحاسب المقصر، ويعزل من يثبت فساده أو ضعفه، إدراكًا منه أن هيبة العاصمة لا تكتمل إذا ضعفت سلطة الدولة في أطرافها. وكان يردد في سلوكه قبل أقواله أن العدل لا يكون بالشعارات، وإنما بحسن الإدارة، وسرعة المحاسبة، وحماية حقوق الرعية. ولم تكن نظرته إلى الأمن أقل عمقًا.
فقد عمل على تأمين الطرق التجارية، ومواجهة قطاع الطرق، وحماية القوافل، لأن ازدهار الأسواق لا يتحقق إلا إذا شعر التاجر أن ماله يصل آمنًا، وأن الدولة قادرة على بسط سلطانها في كل شبر من أراضيها.
ومع مرور السنوات، بدأت نتائج هذه السياسة تظهر بوضوح. فازدادت حركة التجارة، وتحسنت موارد الدولة، واستقرت الأوضاع في كثير من الأقاليم التي كانت تعيش اضطرابًا بعد قيام الدولة العباسية. لكن المنصور كان يعلم أن الإدارة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تصنع حضارة إذا بقيت الدولة بلا قلب يجمعها. وكان قد بدأ بالفعل في تنفيذ مشروعه الأكبر. المشروع الذي سيخلد اسمه في التاريخ، ويجعل الدولة العباسية تمتلك عاصمة لم يعرف العالم مثلها. إنها بغداد. المدينة التي لم تُبنَ لتكون مقرًا للخليفة وحده، بل لتكون مركزًا لإدارة إمبراطورية، ومنارةً لحضارة ستبلغ ذروتها في عهد من جاء بعد المنصور.
وهكذا، لم يعد واضحًا أين ينتهي دور المنصور السياسي. وأين يبدأ دوره الحضاري. فالرجل الذي أحكم بناء مؤسسات الدولة، هو نفسه الذي وضع الأساس لعصر سيُعرف فيما بعد بالعصر الذهبي للحضارة الإسلامية.
لكن أعظم إنجازاته لم يكن أنه بنى بغداد. ولا أنه شدد قبضة الدولة. بل أنه ترك لمن بعده دولة مستقرة، بعد أن تسلمها وهي لا تزال تبحث عن طريقها.
لم يكن أبو جعفر المنصور يحلم أن يذكره التاريخ بوصفه قائدًا انتصر في معركة. فالمعارك، مهما عظمت، يطويها الزمن. أما الدول، إذا أُحسن بناؤها، فإنها تبقى شاهدة على أصحابها بعد رحيلهم بقرون. ولهذا، لم يكن مشروع المنصور مشروع رجل يبحث عن المجد الشخصي، بقدر ما كان مشروع دولة تبحث عن الاستقرار.
فخلال أكثر من عشرين عامًا من حكمه، لم يترك جانبًا من شؤون الدولة إلا وأعاد تنظيمه.
رسّخ هيبة الخلافة، وأحكم إدارة الأقاليم، وضبط موارد الدولة، وأقام جهازًا إداريًا أكثر انضباطًا، ووضع بغداد على الطريق الذي سيجعلها أعظم مدن العالم الإسلامي. ولم تكن هذه الإنجازات منفصلة بعضها عن بعض. بل كانت أجزاءً من رؤية واحدة.
كان المنصور يؤمن أن الدولة القوية لا تُبنى بالبطولات الفردية، وإنما ببناء مؤسسات تستطيع أن تؤدي عملها، سواء حضر الخليفة أو غاب. ولذلك، لم يكن غريبًا أن يرث خلفاؤه دولة أكثر تماسكًا مما ورثه هو. وحين تولى ابنه المهدي الخلافة، لم يكن مضطرًا إلى إخماد الثورات الكبرى التي واجهت البدايات، ولا إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة من جديد.
لقد وجد دولة مستقرة، وبيت مال قويًا، وعاصمة أخذت مكانها بين أعظم مدن عصرها، وإدارة قادرة على تسيير شؤون إمبراطورية مترامية الأطراف.
ومن هنا، استطاع المهدي أن يوجه جهده إلى توسيع العمران، وتحسين أحوال الرعية، والاهتمام بالحياة الاقتصادية، لتدخل الدولة مرحلة جديدة تختلف عن سنوات التأسيس الأولى.
ولم يدم عهد الهادي طويلًا، لكنه جاء حلقة في سلسلة من الاستقرار، قبل أن تبلغ الدولة العباسية ذروة مجدها في عهد هارون الرشيد، حيث أصبحت بغداد الاسم الذي تتجه إليه أنظار العالم، ومركزًا للتجارة والعلم والأدب.
وهنا تتجلى عظمة المنصور. فكثير من الناس يتذكرون العصور الذهبية، وينسون الرجال الذين وضعوا أساساتها. ويتذكرون القصور التي اكتمل بناؤها، ويغفلون عن الذين وضعوا حجارتها الأولى. ولو لم ينجح المنصور في تثبيت أركان الدولة، لما وجد المهدي دولة ينعم باستقرارها، ولما ورث هارون الرشيد إمبراطورية قادرة على بلوغ ذلك المجد الذي خلد اسمه في التاريخ.
ولهذا، فإن أبا جعفر المنصور لم يكن أعظم خلفاء العباسيين من حيث اتساع الفتوحات، ولا من حيث مظاهر الرفاهية. لكنه كان، في نظر كثير من المؤرخين، أعظمهم في بناء الدولة.
لقد تسلم دولة خرجت لتوها من أتون الثورة. وسلّم من بعده دولة أصبحت واحدة من أقوى القوى السياسية في العالم. وهذا هو الفارق بين من يُقيم ملكًا على القوة وحدها. ومن يؤسس دولة على النظام.
وبينما كانت بغداد تزداد رسوخًا عامًا بعد عام، كانت قرطبة، في أقصى الغرب الإسلامي، تمضي في طريقها هي الأخرى، تبني مؤسساتها، وتواجه تحدياتها، حتى بدأ العالم الإسلامي يعيش تجربة فريدة؛ عاصمتان عظيمتان، لكل منهما مشروعها السياسي، ولكل منهما إسهامها في صناعة الحضارة.
لكن قبل أن تبلغ بغداد ذروة ازدهارها، كان لا بد أن تمر بمرحلة انتقال هادئة، قادها خليفتان لا يكثر الحديث عنهما، رغم أن عهدهما كان الجسر الذي عبرت عليه الدولة من مرحلة التأسيس إلى العصر الذهبي.
وهنا تبدأ قصتنا القادمة. المهدي والهادي، سنوات الاستقرار التي مهدت للعصر الذهبي.





