أرصفة نابل بين حقّ العبور واستغلال المقاهي…
حين يصبح الرصيف ملكًا خاصًا .. !
بقلم/ المعز غَنِـي
هناك تفاصيل صغيرة في حياتنا اليومية قد تبدو للبعض عادية ، لكنها بالنسبة إلى غيرهم تتحول إلى مصدر إزعاج حقيقي ، وربما إلى معاناة يومية تتكرر كل صباح ومساء .
ومن بين هذه التفاصيل، يبرز اليوم موضوع أستغلال الأرصفة من قبل بعض المقاهي والفضاءات التجارية بمدينة نابل ، وهي ظاهرة أصبحت تستحق الوقوف عندها بكل هدوء ومسؤولية ، بعيدًا عن التعميم أو التشهير أو ظلم أي طرف .
نحن هنا لا نصدر أحكامًا على أصحاب المقاهي ، ولا نقول إن الجميع يتجاوز القانون ، ولا نضع كل أصحاب المقاهي في سلّة واحدة .
بل ننقل تشكيات مواطنين ومواطنات ، ونضعها أمام أنظار السلطة الجهوية والمحلية ، لعلّها تجد طريقها إلى المعاينة والمعالجة .
فالرصيف ، في النهاية ليس ملكًا خاصًا .
الرصيف وُجد للمواطن .
للطفل الذي يمشي إلى مدرسته ، وللطالب العائد من معهده ، وللعامل الذي أنهى يومه ، وللمسنّ الذي يبحث عن طريق آمن ، وللأم التي ترافق أبناءها ، وللرجل والمرأة ، ولذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، ولكل مواطن يريد أن يمارس أبسط حق من حقوقه : أن يمشي في الطريق العام بأمان وكرامة .
مدينة نابل … بين مقهى ومقهى رصيف يختفي …!
من يتجوّل في بعض شوارع مدينة نابل ، وخاصة في أوقات الذروة ، يلاحظ إنتشار المقاهي والفضاءات التي تستغل أجزاء من الأرصفة أو المساحات المحاذية لها لوضع الطاولات والكراسي .
وبين مقهى ومقهى … يصبح الرصيف أضيق ، ثم أضيق ، إلى أن يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى النزول إلى الطريق العام .
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالمواطن الذي يريد المرور قد يجد أمامه طاولات وكراسي ، وأشخاصًا يجلسون ، وممرًا ضيقًا لا يسمح بالعبور بسهولة .
وفي ساعات الذروة ، وخاصة عند خروج الموظفين والعمال والتلاميذ والطلبة ، أو عند العودة من الأسواق ، تتضاعف الصعوبة .
فتتحول بعض الأرصفة من فضاء مخصص للمشاة إلى فضاء شبه خاص ، بينما يُترك المواطن يبحث عن منفذ بين السيارات والمارة والإزدحام .
والسؤال هنا ليس ضد القهوة ولا ضد الجلوس في المقاهي .
فالمقهى جزء من الحياة الإجتماعية والاقتصادية للمدينة ، وأصحابه مواطنون لهم حقوقهم وواجباتهم .
لكن السؤال الحقيقي هو :
أين ينتهي حق صاحب المقهى … وأين يبدأ حق المواطن؟
شكاوى نساء… وإحراج لا يجوز تجاهله
ومن بين أكثر التشكيات التي وصلت ، ما عبّرت عنه بعض النساء من شعورهن بالإحراج والضيق أثناء المرور أمام بعض المقاهي ، خاصة عندما تكون الأرصفة مكتظة بالجلوس .
مرة أخرى ، لا نقول إن كل من يجلس أمام مقهى يضايق المارة ، ولا يجوز أتهام الناس جزافًا ، لكن علينا أن نسمع أيضًا إلى المرأة التي تقول :
“أشعر بالإحراج عندما أضطر إلى المرور وسط تجمعات من الرجال الجالسين أمام المقاهي.”
علينا أن نفهم هذا الشعور بدل السخرية منه أو تجاهله.
فالمجتمع المتحضر لا يقول للمرأة : تحمّلي …
ولا يقول للرجل : أفعل ما تشاء .
بل يقول للجميع :
أحترموا بعضكم بعضًا .
ويا خويا الباهي …
المرأة التي تمرّ أمامك هي أمّك ، أختك ، زوجتك أو إبنتك .
وكما لا ترضى أن تتعرض نساء دارك إلى موقف يسبب لهن الحرج أو المضايقة ، فمن باب المروءة والرجولة والإحترام ، لا ترضَ لنساء غيرك ما لا ترضاه لنساء بيتك .
هذه ليست دعوة إلى منع الناس من الجلوس .
وليست حربًا على المقاهي .
إنها دعوة بسيطة إلى الإحترام وحسن السلوك وترك ممرّ آمن ومريح للمارة .
المقهى له حق … والمواطن له حق أيضًا
من الضروري أن نكون منصفين .
صاحب المقهى يستثمر أمواله ، ويوفر مواطن شغل ، ويدفع معاليم وضرائب ، ويساهم في الدورة الاقتصادية للمدينة .
ومن حقه أن يستغل المساحات التي يسمح بها القانون والترخيص .
لكن في المقابل ، المواطن ليس ضيفًا في مدينته .
والرصيف ليس ملكًا لمن يضع فوقه أول كرسي أو طاولة .
هناك قوانين وتراتيب تنظم أستغلال الملك العمومي ، وهناك مساحات يمكن أستغلالها وفق التراخيص والشروط المعمول بها .
لذلك فإن الحل ليس في الصراخ ، ولا في التشهير ، ولا في أفتعال المشاكل بين أصحاب المقاهي والمواطنين .
الحل في شيء أبسط بكثير : المراقبة ، المعاينة ، تطبيق القانون ، وتنظيم الاستغلال .
نداء إلى السلطة الجهوية والمحلية بنابل .
ومن هذا المنبر، نتوجه بكل إحترام إلى السلطة الجهوية والمحلية بمدينة نابل ، وإلى المصالح البلدية والجهات المختصة، للقيام بما ترونه مناسبًا من معاينات ميدانية وتنظيمية .
ليس الهدف معاقبة الناس .
وليس الهدف التضييق على أصحاب المقاهي .
بل الهدف أن تكون هناك مدينة منظمة ، جميلة ، قابلة للعيش ، ويحترم فيها الجميع حقوق الجميع .
فإذا كان هناك مقهى يحترم المساحات المرخص لها ويترك ممراً واضحًا للمشاة فلا مشكلة .
أما إذا تحوّل الرصيف بالكامل إلى فضاء للجلوس ، وأصبح المواطن مضطرًا للنزول إلى الطريق العام ، فهنا لا بد من التدخل السريع، لأن النزول إلى الطريق لا يمثل مجرد إزعاج… بل قد يتحول إلى خطر حقيقي على حياة المواطنين .
وخاصة الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة والنساء اللواتي يحملن أطفالًا أو أغراضًا.
نابل تستحق أرصفة نظيفة وآمنة
نابل مدينة سياحية ، تجارية ، ثقافية ، ومدينة تستقبل أبناءها وزوارها .
والمدينة الجميلة ليست فقط بنايات جميلة وشوارع مزينة .
المدينة الجميلة هي التي يشعر فيها المواطن أنه محترم .
أن يمشي على رصيفه دون أن يضطر إلى النزول للطريق .
أن يجد ممرًا واضحًا .
أن لا يشعر بالإحراج .
أن لا يدخل في مشادة مع أحد .
أن لا يضطر إلى تغيير طريقه بسبب طاولات أو كراسٍ أو تجمعات بشرية .
إنها تفاصيل صغيرة في ظاهرها … لكنها تصنع في النهاية صورة المدينة وثقافة أهلها .
لا للتعميم … ولا للتجاوز
ومن المهم جدًا أن نؤكد : نحن لا نعمّم.
هناك أصحاب مقاهٍ محترمون ، حريصون على النظام ، يحترمون المارة ، ويلتزمون بالمساحات المسموح لهم بإستغلالها، وهؤلاء يستحقون كل التقدير .
لكن وجود نماذج محترمة لا يعني أن نتجاهل التجاوزات الموجودة هنا وهناك .
كما أن وجود تجاوزات لا يعني أن نهاجم قطاع المقاهي بأكمله .
نحن نريد التوازن .
نريد أن يعيش صاحب المقهى من عمله بكرامة ، وأن يمارس المواطن حقه في المرور بكرامة .
نريد أن يجلس الزبون أو الحريف مرتاحًا، وأن تمر المرأة والطفل والمسن وذو الإعاقة دون مضايقة .
نريد أن يكون الرصيف للجميع ، لا لفئة دون أخرى .
رسالة إلى المواطن قبل المسؤول
المسألة ليست دائمًا مسؤولية البلدية أو أعوان المراقبة .
فالقانون وحده لا يصنع مجتمعًا محترمًا .
هناك شيء إسمه الضمير .
قبل أن تضع كرسيًا ، أسأل نفسك : هل تركت للناس مكانًا للمرور؟
قبل أن تجلس في مجموعة أمام المقهى ، اسأل نفسك : هل وجودنا بهذا الشكل يسبب إحراجًا للمارة؟
وقبل أن تتجاوز حدودك ، تذكر أن : حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين .
فالمدينة ملك للجميع .
والشارع ملك للجميع .
والرصيف ملك للجميع .
والإحترام أيضًا يجب أن يكون للجميع .
وأخيرًا … كلمة لا بد منها
نابل لا تحتاج إلى صراعات يومية بين المواطن وصاحب المقهى .
ولا تحتاج إلى تشهير .
ولا تحتاج إلى خصومات .
نابل تحتاج إلى تنظيم .
تحتاج إلى رقابة عادلة .
تحتاج إلى تطبيق القانون على الجميع دون إستثناء .
وتحتاج قبل كل شيء إلى ثقافة تحترم الفضاء العام .
لذلك نقولها بكل وضوح : يا صاحب المقهى … مارس تجارتك ، أكسب رزقك ، وأسعد زبائنك ، فهذا حقك .
لكن أترك للمواطن حقه في الطريق .
ويا من يجلس أمام المقهى … أجلس وأستمتع بوقتك ، لكن لا تجعل جلوسك سببًا في إحراج إمرأة أو عرقلة طفل أو إزعاج مسن أو إجبار مواطن على النزول إلى الطريق.
ويا مسؤول … لا تنتظر أن تتحول الشكاوى إلى مشاكل حتى تتحرك .
المعاينة الميدانية والتنظيم المبكر أفضل بكثير من معالجة المشاكل بعد أستفحالها .
وفي النهاية …
لسنا ضد المقاهي ، ولسنا ضد الجلوس ، ولسنا ضد أصحاب المشاريع .
نحن فقط مع قاعدة بسيطة :
المدينة للجميع … والرصيف للمشاة … والإحترام للجميع .
وإذا كان هذا الكلام قد أزعج البعض ، فليتذكروا أنني لا أكتب بحثًا عن خصومة ، ولا أبحث عن تصفية حسابات .
أنا فقط أنقل ما يصلني من تشكيات ، وأضعها أمام من يملك سلطة المعالجة فهو صاحب القرار .
اللهم أشهد … لقد بلّغت.
وما على الرسول إلا البلاغ.
هنا نابل بقلم المعز غَنِـي
كاتب وإعلامي من مدينة نابل
عاشق الترحال وروح الاكتشاف../.








