احترار المتوسط والزلازل..
هل هناك علاقة خفية أم مجرد تزامن مناخي وزلزالي؟
بقلم: د. رشا ربيع الجزار
باحثة أكاديمية في التربية والبيئة
لم يعد البحر المتوسط مجرد مساحة مائية تفصل بين قارات ثلاث، بل أصبح أحد أكثر النظم البيئية تأثرًا بالتغيرات المناخية المتسارعة. فارتفاع درجات حرارة مياهه أصبح اتجاهًا موثقًا علميًا، بالتزامن مع موجات حر بحرية متزايدة وشديدة التأثير على النظم البيئية والمناخية في المنطقة. وتشير بيانات بحثية إلى اتجاهات واضحة لارتفاع حرارة الطبقات العليا والعميقة من المتوسط.
وفي المقابل، أعاد الزلزال الذي ضرب منطقة شمال السويس في الثالث من أغسطس 2026، وبلغت قوته نحو 5.5 درجة وفق تقارير حديثة، سؤالًا يفرض نفسه: هل يمكن أن تكون هناك علاقة بين الاحترار المتسارع للبحر المتوسط والنشاط الزلزالي الذي تشهده المنطقة؟
الزلزال أولًا.. التفسير التكتوني هو الأساس
قبل البحث عن علاقة بالمناخ، يجب التأكيد على حقيقة علمية أساسية: الزلازل الكبرى تنشأ أساسًا نتيجة العمليات التكتونية وحركة الصفائح والصدوع.
والبحر المتوسط والمنطقة المحيطة به تقع ضمن نطاق تكتوني معقد نتيجة التقارب المستمر بين الصفيحتين الأفريقية والأوراسية، وهو ما يجعل المنطقة نشطة زلزاليًا بطبيعتها.
ومن ثم، لا توجد حتى الآن أدلة علمية كافية تسمح بالقول إن احترار المتوسط تسبب مباشرة في زلزال شمال السويس.
لكن أين يدخل تغير المناخ؟
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.
فالتغير المناخي لا يعمل بالضرورة كـ«مفتاح» يشغل الزلازل، وإنما يمكن لبعض التغيرات البيئية واسعة النطاق أن تؤثر في الأحمال والضغوط الواقعة على سطح الأرض وفي الأنظمة الجيولوجية القريبة.
وتشير مراجعات علمية حديثة إلى أن تغيرات مثل ارتفاع مستوى سطح البحر، وتغير توزيع المياه، والتدخلات البشرية في البيئة يمكن أن تؤثر في بعض العمليات الجيولوجية أو تضخم بعض المخاطر الثانوية المرتبطة بالزلازل، دون أن يعني ذلك أنها تفسر الزلازل التكتونية الكبرى نفسها.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
التغير المناخي قد يؤثر في بعض الظروف التي تحيط بالنظام الجيولوجي، لكن هذا لا يعني أنه يصنع الزلزال من الصفر.
المتوسط يسخن.. والزلازل لها قصة أخرى
الدراسات الحديثة تؤكد أن البحر المتوسط يشهد اتجاهًا واضحًا نحو الاحترار، بل إن بعض موجات الحرارة البحرية الأخيرة ارتبطت بزيادة واضحة في درجات حرارة سطح البحر نتيجة الاحترار المناخي طويل المدى.
لكن التزامن بين بحر أكثر حرارة ونشاط زلزالي لا يكفي وحده لإثبات علاقة سببية.
وهنا تكمن أهمية العلم:
ليس كل ما يحدث في الوقت نفسه مرتبطًا بعلاقة سببية.
فإذا كان الزلزال نتيجة حركة تكتونية متراكمة عبر سنوات أو عقود، فإن ارتفاع درجة حرارة سطح البحر خلال فترة زمنية أقصر لا يمكن اعتباره تلقائيًا العامل المحرك له.
السؤال الأهم: هل نحتاج إلى نموذج جديد للمخاطر؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية.
فالمستقبل لن يكون أمام «خطر زلزالي» منفصل عن «خطر مناخي»، بل أمام تداخل متزايد بين المخاطر الطبيعية والمناخية والبشرية.
زلزال في منطقة ساحلية قد يتزامن مع ارتفاع مستوى البحر، أو موجة حر شديدة، أو اضطراب في البنية التحتية، أو أمطار غزيرة، فتزداد آثار الكارثة حتى لو لم يكن المناخ هو الذي تسبب في الزلزال.
وهنا يصبح مفهوم المخاطر المركبة أكثر أهمية من البحث عن سبب واحد لكل كارثة.
الذكاء الاصطناعي.. من رصد الزلزال إلى فهم شبكة المخاطر
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، يمكن أن ننتقل من مجرد تسجيل الزلازل بعد وقوعها إلى بناء أنظمة أكثر تطورًا لتحليل ملايين البيانات القادمة من محطات الرصد الزلزالي والأقمار الصناعية وأجهزة قياس المحيطات ونماذج المناخ.
فالذكاء الاصطناعي قادر على المساعدة في اكتشاف الأنماط الدقيقة، وتحسين سرعة تحليل الموجات الزلزالية، وربط البيانات الجيولوجية والبيئية في نماذج متكاملة للمخاطر.
وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يستطيع حتى الآن التنبؤ الدقيق بموعد الزلزال، لكنه يستطيع أن يصبح أداة مهمة في الرصد المبكر، وتحليل المخاطر، وتحسين جاهزية المدن والبنية التحتية.
الخلاصة
احترار البحر المتوسط حقيقة علمية متزايدة الوضوح، والنشاط الزلزالي في المنطقة حقيقة جيولوجية راسخة، لكن القول إن ارتفاع حرارة المتوسط تسبب في زلزال شمال السويس يحتاج إلى دليل علمي لا نملكه حتى الآن.
والأكثر دقة أن نقول إن تغير المناخ قد يعيد تشكيل بيئة المخاطر من حولنا، بينما تظل حركة الصفائح والصدوع العامل الأساسي في تفسير الزلازل التكتونية.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي: “هل تسبب المناخ في الزلزال؟”
بل: “كيف سيتغير شكل المخاطر عندما تتزامن التحولات المناخية مع النشاط الجيولوجي في عالم أكثر دفئًا؟”
هذا هو السؤال الذي يجب أن تركز عليه أبحاث المستقبل.. وهنا تحديدًا يصبح العلم والذكاء الاصطناعي والإنذار المبكر أدوات أساسية لحماية الإنسان والمجتمع.







