أدب وثقافةصدى مصرمقالات

الأدباء بالتقسيط المريح, بقلم: محمد رمضان أمين

 

الأدباء بالتقسيط المريح

 

بقلم: محمد رمضان أمين

في الماضي كان الكاتب يقضي سنوات طويلة بين الكتب، يطارد المعنى كما يطارد الصياد طائرًا نادرًا في صحراء شاسعة. أما اليوم، فقد أصبح الطريق أقصر من طابور الخبز.

دار نشر وُلِدت صباحًا، ومذيع اكتشف الأدب عصرًا، وضيف أصبح أديبًا معتمدًا مساءً، وفي الليل تُنشر الصور: “لقاء ثقافي هام”، و”أمسية استثنائية”، و”قامة أدبية كبيرة”، حتى يخيل للقارئ أن المتنبي نفسه عاد من قبره طالبًا توقيع نسخة من كتاب الضيف الكريم.

لم يعد السؤال: ماذا كتب؟ بل أصبح: كم مقابلة أجرى؟ وكم صورة التقط؟ وكم منصة صعد إليها؟ هناك من لم يقرأ من الأدب إلا عناوين الكتب، ومع ذلك يتنقل بين الشاشات كخبير في تاريخ الرواية والشعر والنقد والفلسفة وعلوم الكون مجتمعة. والأعجب أن بعض المنابر لم تعد تبحث عن القيمة، بل عن “الضيف الجاهز”. ضيف يدفع أكثر، أو يضمن مشاهدات أكثر، أو يملأ ساعة البث دون إزعاج الأسئلة الحقيقية.

أما الموهوب الحقيقي، ذلك الذي يقضي سنوات يراجع نصوصه ويحذف ويضيف ويقرأ ويتعلم، فيجلس في الصفوف الخلفية يتابع المشهد بصمت، كأنه المتهم الوحيد في قاعة امتلأت بالشهود المزورين.

لقد تحولت بعض المنصات الثقافية إلى مصانع سريعة لإنتاج الألقاب. شاعر خلال أسبوع. روائي خلال شهر. مفكر خلال موسم. وقامة أدبية قبل نهاية العام. أما الثقافة نفسها، فتقف على الأرصفة تحمل أوراقها القديمة، تنظر إلى هذا الموكب الصاخب وكأنها لا تعرف أحدًا.

إن أخطر ما في الشهرة السريعة أنها لا تصنع مبدعًا، بل تصنع وهمًا. والوهم لا يقرأ، ولا يتعلم، ولا يتطور، لأنه مقتنع منذ البداية أنه قد وصل إلى النهاية.

كيف سيجتهد من قيل له إنه عظيم قبل أن يتعلم؟ وكيف يتطور من أقنعوه بأنه بلغ القمة وهو لا يزال عند السفح؟, إن المنابر التي توزع الأضواء بلا معايير لا تظلم المبدعين فقط، بل تظلم الجمهور أيضًا. فهي تقدم له صورة مزيفة عن الأدب، حتى يختلط الكاتب بالمروج، والثقافة بالدعاية، والإنجاز بالضجيج.

وفي النهاية يبقى السؤال معلقًا فوق المشهد كله: إذا أصبح الظهور دليلًا على القيمة، فمن سيهتم بالقيمة نفسها؟ وإذا تحولت الثقافة إلى سوق للمقاعد المدفوعة، فمن سيجلس على عرش الكلمة غير أصحاب الجيوب الممتلئة؟ أما المبدعون الحقيقيون، فلا تقلقوا عليهم كثيرًا, فالضجيج يملأ الشوارع ساعات، أما الأثر فيبقى سنوات. والأضواء تنطفئ, أما الكلمة الصادقة، فتبقى وحدها شاهدة على من أحسن عملًا، ومن أحسن تسويق نفسه فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى