التاريخ من وراء الستار
بقلم / محمد مصطفى كامل
حين انكسر الأسطول في ديو
المعركة التي هزم فيها البرتغاليون الأسطول المملوكي، لكن الحقيقة كانت أخطر من مجرد تفوق بحري
كان يمكن أن تبدو الأمور في مطلع سنة 1509 وكأنها تمضي في مصلحة القاهرة وحلفائها.
قبل عام واحد فقط، كانت شاول قد شهدت مواجهة قلبت حسابات البرتغاليين في المحيط الهندي. هناك اصطدم الأسطول البرتغالي بالقوة المملوكية وحلفائها، وسقط لورينسو دي ألميدا، ابن فرانسيسكو دي ألميدا، نائب الملك البرتغالي في الهند.
خرج المماليك وحلفاؤهم من شاول وهم يحملون نصرًا مهمًا، أما البرتغاليون فخرجوا وهم يعرفون أن القوة التي جاءت من مصر والهند ليست قوة يمكن تجاهلها.
بالنسبة إلى قانصوه الغوري، لم تكن شاول مجرد معركة بعيدة في مياه الهند.
كان وراءها هدف أكبر: حماية الطريق التجاري الذي جعل مصر واسطة العقد بين الشرق والغرب، والحيلولة دون أن يتحول الطريق البحري الجديد الذي فتحه البرتغاليون حول إفريقيا إلى بديل يهدد مكانة البحر الأحمر وموانئ مصر.
أما البرتغاليون، فلم يكونوا يبحثون عن مجرد انتصار على أسطول منافس. كانوا يحاولون بناء نظام جديد للتجارة في المحيط الهندي، نظام تصبح فيه السفينة الحاملة للبضائع قادرة في الوقت نفسه على حمل المدفع وفرض شروطها على من يستخدم البحر.
ولهذا لم تكن شاول نهاية الصراع.
كانت بداية مرحلة أشد خطورة.
فمقتل لورينسو لم يكن بالنسبة إلى فرانسيسكو دي ألميدا مجرد خسارة عسكرية. كان جرحًا شخصيًا التقى مع مشروع برتغالي أوسع، هو تثبيت الوجود البرتغالي في المحيط الهندي وإجبار القوى المحلية على التعامل مع البرتغال باعتبارها قوة قادرة على فرض شروطها على طرق التجارة.
وفي الثاني من فبراير سنة 1509، ظهر الأسطول البرتغالي أمام ديو، بعد أن شق طريقه على الساحل الغربي للهند.
لم يكن ألميدا يبحث عن مواجهة عابرة.
كان يريد أن يرد ضربة شاول، وأن يضرب القوة المملوكية، وأن يضع ديو نفسها أمام اختبار صعب.
لكن البرتغاليين لم يكونوا يعرفون أن المعركة المقبلة لن تحددها المدافع والسفن وحدها.
كان داخل التحالف نفسه شرخ يتسع.
من شاول إلى ديو
بعد معركة شاول، عاد أمير حسين الكردي إلى ديو.
وكانت المدينة تحت نفوذ مالك عيّاز، أحد أبرز رجال سلطنة كجرات، وصاحب نفوذ سياسي وعسكري وتجاري واسع.
ولفهم ما حدث في ديو، يجب أن نفهم أولًا من كان هذا الرجل.
مالك عيّاز لم يكن قائدًا مملوكيًا تابعًا للقاهرة، ولم يكن واليًا مصريًا ينتظر أوامر الغوري.
كان صاحب سلطة محلية حقيقية، له رجاله وسفنه وثروته وعلاقاته ومصالحه الخاصة، وقد أصبح ديو مركزًا لنفوذه وقوته البحرية.
أما أمير حسين، فكان يمثل القوة التي أرسلها الغوري من مصر إلى المحيط الهندي.
كان هدفه واضحًا: مواجهة البرتغاليين قبل أن يتحول وجودهم في المحيط إلى تهديد مباشر لمصالح مصر وطريق التجارة عبر البحر الأحمر.
وهكذا التقت في ديو قوتان تجمعهما مصلحة مشتركة، لكنهما لا تنتميان إلى مركز سياسي واحد.
قوة جاءت من مصر.
وقوة محلية يقودها رجل له حساباته الخاصة.
وكان يمكن لهذا التحالف أن يكون بالغ القوة، خصوصًا أن أمير حسين لم يكن وحده؛ فقد انضمت إلى الجبهة سفن من ديو، وقوى مسلمة من ساحل مالابار، ضمن شبكة واسعة من القوى التي رأت في التوسع البرتغالي تهديدًا لمصالحها.
لكن التحالفات لا تقاس بعدد السفن فقط.
إنها تقاس أيضًا بمدى اتفاق أصحابها على الهدف، وبمدى ثقتهم في بعضهم بعضًا عندما تبدأ المعركة.
وهنا بدأت القصة تأخذ منحى مختلفًا.
الرجلان اللذان لم ينظرا إلى البحر بالطريقة نفسها
كان أمير حسين يرى البرتغاليين خطرًا يجب مواجهته قبل أن يزداد رسوخًا.
كان يعرف أن كل موطئ قدم جديد للبرتغاليين في المحيط الهندي يمكن أن يضغط على التجارة التي تصل في النهاية إلى البحر الأحمر، ومنه إلى مصر.
أما مالك عيّاز فكان يرى المشهد من زاوية أخرى.
كان عليه أن يحمي ديو.
وأن يحافظ على نفوذه.
وأن يمنع البرتغاليين من السيطرة على مدينته.
وفي الوقت نفسه، كان عليه أن يتعامل مع قوة مملوكية جاءت من خارج الهند، يقودها أمير يتمتع بسلطة عسكرية كبيرة، ويمكن أن يتحول وجوده الطويل في ديو إلى عامل يغيّر ميزان القوى داخل المدينة.
ولهذا بدأ القلق يتسلل إلى علاقة الرجلين.
لم يكن عيّاز يريد انتصار البرتغاليين، لكنه لم يكن يريد أيضًا أن تصبح ديو قاعدة لقوة مملوكية واسعة النفوذ لا يستطيع التحكم في اتجاهاتها.
وهذه النقطة مهمة لفهم ما حدث بعد ذلك.
فليس من الدقة اختصار موقف عيّاز في كلمة واحدة هي «الخيانة».
كان رجلًا سياسيًا وعسكريًا يتحرك داخل بيئة شديدة التعقيد، ويوازن بين خطرين حقيقيين: البرتغاليين من البحر، وتنامي نفوذ الحليف المملوكي داخل ديو.
ومع اقتراب المواجهة، بدأت اتصالات سرية بين عيّاز وفرانسيسكو دي ألميدا.
لكن هذه الاتصالات لم تجعل عيّاز تابعًا للبرتغاليين.
لقد ظل هدفه الأساسي حماية ديو ومصالحه، وهو ما سيتضح بجلاء عندما تصل المعركة إلى لحظتها الحاسمة.
فرانسيسكو دي ألميدا لم ينسَ ابنه
أما فرانسيسكو دي ألميدا، فقد أمضى معظم سنة 1508 وهو يستعد للرد.
كان يعرف أن الوصول إلى ديو ليس مجرد رحلة عسكرية.
فالميناء محصن، وعيّاز صاحب قوة محلية معتبرة، وأمير حسين موجود هناك، إلى جانب حلفاء من الهند.
لكن ألميدا كان يملك هدفًا يتجاوز الثأر.
كان يريد أن يثبت لكل القوى الموجودة في المحيط الهندي أن البرتغال تستطيع الوصول إلى خصومها أينما كانوا.
السفينة تحمل البضاعة، لكنها تحمل المدفع أيضًا.
ومن يفرض وجوده على الطريق يستطيع أن يفرض شروطه على من يستخدم الطريق.
ولهذا كانت ديو مهمة.
لم تكن مدينة ساحلية عادية، بل كانت تقع على واحد من أهم الممرات البحرية في الساحل الغربي للهند، ضمن شبكة تجارية تصل الهند بالبحر الأحمر والخليج العربي.
وكانت القاهرة تعرف قيمة هذه الشبكة.
والبرتغال تعرف قيمتها أيضًا.
ولهذا لم يكن الطريق إلى ديو طريقًا إلى مدينة فقط.
كان طريقًا إلى معركة على مستقبل التجارة.
وفي الثاني من فبراير سنة 1509، ظهر ألميدا بأسطوله أمام ديو.
كانت القوة البرتغالية أكبر بكثير من القوة المصرية التي سيواجهها في البحر المفتوح، وكان ألميدا يعرف أن لديه فرصة للرد على شاول، لكنه لم يكن يعرف بعد أن النتيجة ستعتمد أيضًا على موقف الرجل الذي يسيطر على المدينة التي أمامه.
حين خرج أمير حسين إلى البحر
كان عيّاز أكثر حذرًا.
أما أمير حسين فاختار المواجهة.
خرجت القوة المملوكية من ميناء ديو، واتجهت إلى البحر لملاقاة الأسطول البرتغالي.
وهنا دخل التحالف في أخطر اختبار له.
لم يكن الخروج إلى البحر خطأً عسكريًا بالضرورة، لكنه وضع أمير حسين في البيئة التي يستطيع فيها الأسطول البرتغالي أن يستفيد بصورة أفضل من تنظيمه وخبرته وسفنه المسلحة.
وكانت القوة المصرية أقل عددًا من القوة الرئيسية التي جاء بها ألميدا، فضلًا عن أن بعض السفن كانت تحتاج إلى الإصلاح وإعادة التجهيز.
لكن من الخطأ تصوير المماليك على أنهم دخلوا المعركة بأسطول بدائي لا يعرف القتال.
كان الغوري قد بذل جهدًا كبيرًا في إنشاء قوة بحرية قادرة على العمل في البحر الأحمر والمحيط الهندي، واستعان بخبرات بحرية مختلفة، كما أن سفنه حملت رجالًا من أصول متعددة، ومدفعية ومقاتلين مدربين.
كان مشروع الغوري البحري محاولة حقيقية للدفاع عن مصالح مصر خارج حدودها.
لكن المشكلة أن القوة البحرية لا تعمل بالسلاح وحده.
تحتاج إلى قيادة موحدة.
وتحتاج إلى تحالف متماسك.
وتحتاج إلى قرار سياسي واضح.
وكانت هذه العناصر الثلاثة على المحك في ديو.
يوم اشتعل بحر ديو
في الثالث من فبراير سنة 1509 بدأت المعركة الكبرى.
تحركت السفن.
وانطلقت المدافع.
وتحول البحر أمام ديو إلى ساحة من الدخان والنار.
في البداية كانت المواجهة اختبارًا للقوة البحرية لكل طرف. حاول البرتغاليون استثمار عدد سفنهم وتنظيمهم وخبرتهم في القتال بعيدًا عن حماية الميناء، بينما حاول أمير حسين أن يصمد بقوته المصرية في مواجهة الأسطول الذي جاءه بأفضل استعداداته.
وكانت المدفعية عاملًا مهمًا في المعركة، لكن اختزال النتيجة في المدافع وحدها سيكون تبسيطًا مخلًا.
كان الموقع مهمًا.
وحالة السفن مهمة.
والقيادة مهمة.
والقدرة على المناورة مهمة.
والأهم من ذلك كله كان القرار السياسي الذي يحدد كيف ستتحرك القوى المتحالفة.
وهنا بدأ الاختلاف داخل الجبهة الإسلامية يظهر في صورة عسكرية.
فأمير حسين دخل المواجهة باعتباره قائد القوة المملوكية.
أما عيّاز فكان يرى أن بقاء ديو وحماية قواته ومصالحه يجب أن يظل في صدارة حساباته.
كان كلاهما يريد إيقاف البرتغاليين.
لكن كل واحد منهما كان يرى الحرب من موقع مختلف.
حين دخل الخلاف إلى قلب المعركة
وجد أمير حسين نفسه في مواجهة مباشرة مع القوة البرتغالية.
وكان يريد القتال حتى النهاية.
أما عيّاز فلم يكن مستعدًا لأن يجعل مصير ديو مرهونًا بالكامل بقرار أمير حسين.
ومع ذلك، من الخطأ أن نتصور أن عيّاز وقف منذ البداية متفرجًا على المعركة.
لقد تحركت سفنه فعلًا.
واشتبكت مع البرتغاليين.
وأطلقت مدافعها عليهم.
كما ساهمت سفن من مالابار في إنقاذ بعض رجال القوة المملوكية الذين سقطوا في الماء، وقد كان لها دور في إمداد من بقي من السفن المصرية.
وفي اللحظة التي اشتد فيها الضغط على أمير حسين، خرج عيّاز بقواربه لمساندته.
لكن المشكلة كانت أعمق من مجرد المشاركة في القتال.
لم تكن هناك قيادة سياسية واحدة تجمع الجميع تحت قرار واحد.
أمير حسين كان يخوض حربًا مرتبطة بمصالح القاهرة وطريق البحر الأحمر.
أما عيّاز فكان يخوض حربًا مرتبطة بديو وبقوة كجرات وموقعه الشخصي داخلها.
وهذا الاختلاف لم يكن تفصيلًا هامشيًا.
لقد أصبح عاملًا حاسمًا عندما وصلت المعركة إلى لحظتها الأخيرة.
حين تلقى الأسطول المملوكي الضربة
اشتد الضغط على القوة المصرية.
وكان ألميدا قد استغل تفوقه العددي والتنظيمي ليضغط على السفن المملوكية، فحاصر بعضها بين سفنه، وتمكن من الصعود إلى عدد منها.
وخسر أمير حسين سفينته الرئيسية، وتعرضت سفن أخرى لخسائر قاسية.
حاولت بعض الوحدات المصرية الانسحاب باتجاه ديو أو نحو المناطق القريبة من الساحل.
لكن البرتغاليين واصلوا الضغط.
وفي هذه اللحظة ظهرت حقيقة لا يمكن تجاهلها:
الأسطول المملوكي تعرض لهزيمة بحرية شديدة.
لكن الهزيمة الشديدة لا تعني بالضرورة أن الطرف المنتصر خرج من المعركة سالمًا.
فالقتال كان عنيفًا، وتعرض البرتغاليون هم أيضًا لخسائر كبيرة.
وتختلف الروايات في تقدير أعداد القتلى والجرحى، حتى إن بعض الأرقام البرتغالية التي استخدمت طويلًا لتصوير المعركة على أنها انتصار سهل تعرضت لإعادة قراءة حديثة تشير إلى احتمال وجود خطأ في نقل بعض الأرقام.
ولهذا فالأدق ألا نختزل المشهد في رقم واحد.
المؤكد أن البرتغاليين انتصروا في المواجهة البحرية، لكنهم دفعوا ثمنًا لذلك الانتصار.
والمؤكد أيضًا أن القوة المملوكية تلقت ضربة شديدة، لكنها لم تُمحَ من الوجود.
أمير حسين يخرج من قلب النار
مع استمرار القتال، أصبحت وضعية أمير حسين أكثر صعوبة.
السفن المصرية تتراجع، والضغط البرتغالي يزداد، والخطة التي بدأت بمواجهة هجومية تحولت إلى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ومع ذلك، استطاع أمير حسين النجاة.
لم يسقط في البحر.
ولم يقع في الأسر.
تمكن من الوصول إلى البر، ثم بدأ طريق العودة إلى مصر.
أما القوة المملوكية البحرية فقد تلقت ضربة قاسية، ولم تعد قادرة على فرض وجودها في المحيط الهندي بالصورة التي كان الغوري يأملها.
لكن ديو لم تسقط.
وهذه نقطة ستغير معنى المعركة كله.
فلو كانت ديو قد سقطت بعد هزيمة الأسطول، لأصبح من الممكن الحديث عن انتصار برتغالي كامل.
لكن المدينة بقيت.
وعلى رأسها بقي مالك عيّاز.
مالك عيّاز، بين الحليف والخصم
ربما كانت شخصية مالك عيّاز أكثر ما يكشف تعقيد ديو.
الرواية السهلة تقول:
«خان المماليك.»
لكن التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.
كان عيّاز صاحب سلطة محلية مستقلة، وقد تعاون مع أمير حسين في شاول، وشارك في مواجهة البرتغاليين، وكان يعرف أن توسعهم يمثل خطرًا على ديو ومصالحه.
وفي الوقت نفسه، كان يرى أن أمير حسين أصبح قوة ثقيلة داخل المدينة، وأن استمرار وجوده بهذه القوة قد يغير ميزان السلطة فيها.
ولهذا دخل عيّاز في مفاوضات سرية مع فرانسيسكو دي ألميدا.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن هذا الخلاف بين الرجلين كان من العوامل المهمة في تفسير نتيجة المعركة؛ فحين بدأ القتال الحاسم لم تتحرك الجبهة المتحالفة كقوة واحدة، وترك عيّاز أمير حسين يواجه الجزء الأكبر من الهجوم البرتغالي.
لكن هذا لا يعني أن عيّاز أصبح رجل البرتغال.
فالرجل الذي رفض تسليم ديو للبرتغاليين بعد المعركة، والذي استمر في مقاومة توسعهم لسنوات طويلة، لم يكن يتصرف باعتباره تابعًا لهم.
كان يحمي ديو.
وكان يحمي سلطته.
وكان يتعامل مع البرتغاليين باعتبارهم خصمًا يمكن التفاوض معه عندما تقتضي المصلحة، ثم مواجهته عندما تقتضي المصلحة أيضًا.
وهنا يظهر الفرق بين الخيانة السياسية وبين الحساب السياسي.
انتصر البرتغاليون، لكن ديو بقيت
بعد أن تلقى الأسطول المملوكي الضربة، كان يمكن أن تبدو الخطوة التالية واضحة:
الاستيلاء على ديو.
لكن هذا لم يحدث.
كان عيّاز لا يزال داخل المدينة، وكانت ديو محصنة، وتملك مدافع وقوات برية، كما كانت السفن التي نجت من القتال قد انسحبت إلى داخل الميناء.
وكان مدخل الميناء محميًا بسلسلة، فيما تنتشر المدافع والقوات على الشاطئ.
وجد ألميدا نفسه أمام معادلة مختلفة.
لقد هزم القوة المملوكية في البحر المفتوح.
لكنه لم يهزم ديو.
وكان عليه أن يقرر: هل يخوض معركة جديدة أمام تحصينات المدينة، بعد ما أصاب أسطوله من خسائر؟ أم يكتفي بالانتصار البحري؟
اختار التفاوض.
دخل ألميدا في مفاوضات مع عيّاز، وكان يريد إطلاق الأسرى البرتغاليين الموجودين في ديو، كما أراد الحصول على رجال أمير حسين الذين بقوا على قيد الحياة.
لكن عيّاز رفض تسليم حلفائه المملوكيين.
وفي النهاية حصل ألميدا على إطلاق الأسرى البرتغاليين، ثم غادر المنطقة.
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن هذه اللحظة تختصر ديو كلها:
البرتغاليون انتصروا في البحر، لكنهم لم يستطيعوا أخذ المدينة.
والانتصار في معركة بحرية لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي الذي بدأت الحرب من أجله.
ديو لم تكن نهاية الحرب
لو كانت ديو قد أنهت القوة البحرية الإسلامية في المحيط الهندي، لكان التاريخ بعد 1509 قد اتخذ مسارًا مختلفًا تمامًا.
لكن الواقع لم يكن كذلك.
ظل مالك عيّاز قوة مستقلة، وظلت ديو خارج السيطرة البرتغالية المباشرة، واستمر الصراع بين عيّاز والبرتغاليين سنوات طويلة بعد المعركة.
وتشير دراسة حديثة إلى أن عيّاز واصل تحدي البرتغاليين حتى قرب وفاته سنة 1522، وأن الحرب حول ديو لم تتحول إلى انتصار برتغالي حاسم كما صورتها بعض الروايات اللاحقة، بل إلى صراع طويل عجز فيه البرتغاليون عن انتزاع المدينة من صاحبها.
وهنا يجب أن نكون منصفين للتاريخ في الاتجاهين.
لا يصح أن نقول إن ديو كانت هزيمة بسيطة لا قيمة لها.
كانت هزيمة مملوكية شديدة، وأثبتت أن البرتغاليين يستطيعون تدمير القوة المصرية في مواجهة بحرية مفتوحة.
لكن لا يصح أيضًا أن نقول إن ديو كانت انتصارًا برتغاليًا ساحقًا أنهى المقاومة الإسلامية وأعطى البرتغال السيطرة المطلقة على المحيط الهندي.
كانت معركة كبرى.
وكانت نتيجتها مهمة.
لكنها كانت معركة داخل حرب أطول.
لكن القاهرة كانت ترى شيئًا أكبر
في القاهرة، لم يكن الغوري ينظر إلى ديو باعتبارها مدينة بعيدة في أقصى الهند.
كان يعرف أن وراءها سؤالًا يمس مصر نفسها:
من يملك الطريق التجاري بين الشرق والغرب؟
فمنذ قرون، كانت البضائع القادمة من الهند والشرق تمر عبر البحر الأحمر، ثم تصل إلى مصر، ومنها إلى البحر المتوسط.
وكانت القاهرة تستفيد من موقعها في قلب هذه الشبكة.
لكن طريق رأس الرجاء الصالح فتح احتمالًا جديدًا:
أن تصل البضائع من المحيط الهندي إلى أوروبا دون المرور بالمراكز التجارية المصرية بالطريقة التي اعتادها العالم القديم.
وهنا كان الخطر الحقيقي.
فالبرتغاليون لم يكونوا يريدون فقط هزيمة سفن الغوري.
كانوا يشاركون في تغيير الخريطة الاقتصادية للعالم.
ولهذا كانت ديو بعيدة جغرافيًا عن القاهرة، لكنها كانت قريبة جدًا من مستقبلها الاقتصادي.
والغوري لم يعد يملك رفاهية البحر وحده
لكن ديو كشفت للغوري مشكلة أخرى أكثر خطورة.
مصر لم تكن تواجه خطرًا واحدًا.
في الوقت الذي كان فيه الأسطول المملوكي يقاتل البرتغاليين في المحيط الهندي، كانت قوة أخرى تصعد شمالًا:
الدولة العثمانية.
وكان السلطان سليم الأول يعيد ترتيب ميزان القوى في الأناضول.
وكانت العلاقة بين المماليك والعثمانيين تدخل مرحلة جديدة، خصوصًا مع اضطراب الحدود الشمالية، وصعود الصراع العثماني الصفوي، وتزايد التنافس على مناطق النفوذ في الأناضول والشام.
وهكذا وجد الغوري نفسه أمام جبهتين مختلفتين تمامًا.
في البحر:
البرتغاليون يهددون طريق التجارة.
وفي الشمال:
العثمانيون يقتربون من مناطق النفوذ المملوكي.
والخزانة تحتاج إلى المال.
والجيش يحتاج إلى التمويل.
والأسطول يحتاج إلى الرجال والسلاح.
والتحالفات تحتاج إلى إدارة دقيقة.
هنا ظهرت المشكلة التي ستطارد الدولة المملوكية في سنواتها الأخيرة:
لم تكن المسألة أن الدولة لا تملك القوة، بل أن القوة أصبحت موزعة على جبهات متعددة.
من البحر إلى الشمال
كانت ديو درسًا قاسيًا للغوري.
لقد حاول أن يحمي مصالح مصر بعيدًا عن حدودها.
أرسل الرجال والسفن إلى المحيط.
وسعى إلى بناء تحالف مع القوى الإسلامية والهندية.
وحاول أن يواجه البرتغاليين قبل أن يصبح وجودهم في البحر الأحمر خطرًا مباشرًا.
لكن الحرب لم تمنحه الوقت الكافي.
فبينما كانت المعارك تدور بعيدًا في الهند، كان ميزان القوى في الشمال يتحرك بسرعة.
ولم يعد بإمكان القاهرة أن تختار مكان المواجهة كما كانت تفعل من قبل.
بدأ الخصوم هم الذين يفرضون عليها ساحات القتال.
والغوري الذي أرسل أمير حسين إلى الهند ليواجه البرتغاليين، سيجد نفسه بعد سنوات قليلة يقود جيشه بنفسه نحو الشام.
هذه المرة لن يكون البحر هو ساحة المواجهة.
ستكون الأرض.
ولن يكون الخصم أسطولًا بعيدًا.
سيكون جيشًا عثمانيًا يقوده سلطان يعرف أن السيطرة على الشام تفتح الطريق إلى مصر.
من وراء الستار
من وراء الستار، لم تكن ديو مجرد معركة انتصر فيها البرتغاليون وانكسر فيها المماليك.
كانت لحظة كشفت أن العالم الذي عرفت فيه القاهرة نفسها مركزًا لا غنى عنه في تجارة الشرق بدأ يتغير.
كانت مصر لا تزال دولة قوية.
والغوري لم يكن سلطانًا بلا قدرة.
والأسطول المملوكي لم يكن قوة هشة لا تعرف القتال.
لكن قواعد الصراع كانت تتبدل.
البرتغاليون جمعوا بين التجارة والسلاح.
والمماليك حاولوا الرد من البحر.
والقوى الهندية أرادت حماية مدنها ومصالحها.
ومالك عيّاز أراد حماية ديو ونفوذه.
وأمير حسين أراد أن يمنع البرتغاليين من تثبيت سيطرتهم على الطريق البحري.
كل طرف كان يتحرك وفق حساباته.
والمشكلة أن هذه الحسابات لم تتحول إلى إرادة واحدة.
وهنا كان الدرس الأخطر.
خسر المماليك معركة ديو، لكنهم لم يخسروا البحر كله.
والبرتغاليون ربحوا المعركة البحرية، لكنهم لم يأخذوا ديو.
أما مالك عيّاز، الذي خرج من المعركة محتفظًا بمدينته، فقد واصل مقاومة البرتغاليين أكثر من عقد بعد ذلك.
إذن لم تكن ديو نهاية الصراع.
لكنها كانت إشارة إلى أن زمنًا جديدًا بدأ.
زمن أصبحت فيه مصر مطالبة بأن تدافع عن مصالحها في أكثر من اتجاه، في وقت واحد تقريبًا.
البحر من جهة.
والشام من جهة أخرى.
والمال الذي يمول الجيوش يتعرض لضغط متزايد.
والدولة التي اعتادت أن تكون صاحبة المبادرة بدأت تجد نفسها أمام خصوم يستطيعون اختيار ساحات القتال التي تناسبهم.
وهنا يظهر السؤال الذي سيقودنا إلى المرحلة القادمة:
ماذا يحدث عندما تضطر دولة واحدة إلى مواجهة أكثر من خطر، في وقت لم تعد فيه جبهاتها منفصلة عن بعضها؟
الغوري لم يعد يستطيع أن ينظر إلى البحر وحده.
فالبرتغاليون صاروا في المحيط.
والعثمانيون صاروا قوة صاعدة في الشمال.
والشام بدأ يتحول إلى خط المواجهة القادم.
والمرحلة التالية لن تكون معركة من أجل طريق تجاري.
ستكون معركة من أجل بقاء الدولة نفسها.
وفي المرة القادمة…
حين عاد الغوري إلى الشمال
السلطان الذي حاول حماية مصر من البحر… ثم وجد نفسه مضطرًا لمواجهة سليم الأول في الشام








