مقالات

الكاتبة الصحفية منال فؤاد تكتب: للـخلف دُر

أقول، أنا باعتباري فيلسوفة حياتي:
“إن الماضي جسرٌ انحسر في تسونامي الحياة”
لكن الكثير منا ترك لهذا الجسر في خياله هيكلاً قائماً، يعود إليه ويتمتع بشواطئه الممزقة، وربما يحتمي به من واقع لا يريد أن يعيشه، أو يجد فيه منطقة أمان زائفة تعفيه من مواجهة نفسه ومطالبتها بالتغيير..
وكلنا نعلم أن التغيير تكاليفه باهظة، لكنه في الحقيقة استثمار نافع، وربما كان أكثر استثمارات العمر جدوى..
ومن هنا تأتي عبارة «للخلف دُر»… تلك العبارة التي تجر عقولنا إلى الوراء كلما هبت عواصف التجديد؛ فنبدأ بالتفتيش في دواخلنا:
كم أوجعتنا هذه التجربة؟
كم خذلتنا تلك اللعوب؟
كم غدر بنا ذلك الذنب؟
كم خانوا العشرة أولئك الأولون والمقربون؟
وتتوالى الأسئلة، وتكثر الـ «كَم» في حياتنا، حتى نعيش جميعاً – بلا استثناء – في وهم دور الضحية.
وأنا هنا لا أقلل من حجم الجرح، ولا أدعي أنه لم يترك أثراً.. بل على العكس؛ أنا واحدة من أولئك اللواتي يتحسسن جراحهن كلما خسفت أحلامهن، ويعدن أحياناً إلى دفاتر الماضي ليتأكدن من حجم الألم الذي عبرن به..
ولكن… إلى متى؟
إلى متى سنظل نعبث ونترنح فوق هذا الجسر؟
إلى متى تلازمنا أوجاعٌ تستنزف ما تبقى من زاد أرواحنا؟
بل كيف نصر كل يوم أن نرى وجوهنا في تلك المرآة المشروخة التي لا تليق بنا؟
لماذا نطل برؤوسنا من شقوق الجدران القديمة ونطيل النظر، فتتسرب سنوات من أعمارنا قرباناً للخوف والتردد، ومحاكمةً لقادمٍ لم نَعِشْهُ بعد؟
إننا بذلك نقف في المنطقة الرمادية من الحياة؛ نعيش الماضي، وننظر إلى الحاضر بعين التمني، وننتظر المستقبل بقلب اعوج ووعى تم تشويه
لكن اللون الرمادي لا يليق بزهو الكون، ولا بنور يتجدد كل يوم، ولا بإنسان ما زال في قلبه متسع لحلم جديد.
صديقي… صديقتي…
إن الوقوع في أسر الماضي يعيد تشيكل هندسة تفكيرنا والنظرة التي نرى بها العالم، ويترك أذياله تشوه فطرتنا وأفكارنا، وينعش في عقولنا شهوة الحكم على الآخرين، ودون أن نشعر تتغير رؤيتنا ونصنع أفكاراً مخلقة من رحم تجربة مؤذية ونبدأ معايشتها، ونجذب لأنفسنا نفوساً مجروحة هي الأخرى، ويصبح عالمنا مشوهاً لا ينتمي لفطرتنا ونقول هذه هي الحياة.
ولهذا عندما نمنح الماضي قيمة أكبر من كونه درساً أو موعظة، فإننا لا نخرج من دائرته؛ نبقى ندور في هذيانه، ونسمح له أن يتسلط على ما تبقى من أعمارنا، بينما العمر يمضي يلملم أيامنا دون أن ينتظر قراراً..
الماضي عنكبوت، وما أوهن خيوطه! تنسج العتمة وتُظْلِمَ بصيرةَ أرواحنا..
إن التخلي عن ركام الماضي تتجلى منه طاقةٌ روحية تعيد يقيننا بالله، وتخلق فينا قلباً واعياً وعقلاً ناضجاً.. ونستوعب أن خسائرنا ما كانت إلا “لعبة شيطانية” أزاحها اليقين فعدنا نبصر كيف يمنحنا الله فرصةً أخرى وصفحةً لم تُكتب بعد.
وليس علينا أن نعرف تفاصيل القادم، يكفينا شرفُ الخطوة الأولى.. وأن نعرف أننا لا نريد أن نعود كما كنا.
فالبتر الحقيقي للماضي ليس مجرد نسيان شكلي، بل هو تعافٍ واعٍ يحرر الفطرة الإنسانية، ويسمح لنا بعيش ما تبقى من عمرنا كما خلقنا.
فلنغلق بهدوء كتاباً هُلكت صفحاته، ونأخذ منه حكمته
ونسامح بقدر ما نستطيع،
ونتجاوز ما لا نستطيع احتماله،
ولنعلم لكي نملأ وعاءً، علينا أن نفرغه أولاً..

فيا أنا، يا أنت، يا كل من ذاق مرار الخذلان..
رمم القلب، وتعلم أن ما حدث لك جزء من قصتك، لكنه ليس كل قصتك. وأجمل انتصار على الماضي أن نصبح بعده أكثر اتزاناً..
تَقَدَّم للأمام دُر…
فأصعب ما نمارسه من قسوةٍ على الذات، أن نظن أن حلو القادم مفازةٌ لا نستحقها، وأن نطبع على الجبين ختماً أبدياً بذات الألم..
لا تترك قلم الماضي يكتب الخاتمة بمفرده.

تعال…
فأنا هنا في بوصلة القلب،
أهوى الود…
أتوق إلى لهفة عين،
وضمة صدر
تلقينا معاً خارج الجسر.

زر الذهاب إلى الأعلى