بعد الاتفاق… لماذا تتسع الحرب؟
قراءة في المشهد الأمريكي–الإيراني ومستقبل الشرق الأوسط
بعد الاتفاق… لماذا تتسع الحرب؟
قراءة في المشهد الأمريكي–الإيراني
ومستقبل الشرق الأوسط
بقلم : د/ طارق هلال
لم يعد الشرق الأوسط يعيش زمن الحرب أو السلام، بل دخل مرحلة أكثر تعقيداً، مرحلة توقع فيها الاتفاقات بينما تستمر الضربات، وترفع فيها شعارات التهدئة بينما تتحرك حاملات الطائرات، وتفتح فيها أبواب التفاوض بالتزامن مع فرض مزيد من الضغوط العسكرية. إنها معادلة تبدو متناقضة، لكنها أصبحت إحدى أدوات إدارة الصراع فى النظام الدولى الجديد.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا تتسع الحرب بعد الاتفاق؟
#ففى الوقت الذى يعلن فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن باب التفاوض ما زال مفتوحاً، تستمر الضربات العسكرية، وتتزايد القيود البحرية، وتطرح سيناريوهات استهداف مواقع وبنى تحتية داخل إيران، فى رسالة مفادها أن الضغوط العسكرية أصبحت جزءًا من أدوات التفاوض نفسها، وليست بديلاً عنها.
#وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تريد واشنطن اتفاقاً حقيقياً … أم اتفاقاً بشروط القوة؟
#ولذلك فإن استمرار الضربات لا يعنى بالضرورة رفض الاتفاق، وإنما قد يعكس محاولة لفرض سقف جديد لشروطه.
#لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة كبيرة، لأن الضغط المستمر قد يدفع الطرف الآخر إلى مزيد من التصعيد بدلاً من تقديم تنازلات.
#ورغم التصعيد، لا تبدو المؤشرات حتى الآن وكأنها تتجه نحو إسقاط الدولة الإيرانية أو تفكيك مؤسساتها، لأن انهيار دولة بحجم إيران قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية يصعب احتواؤها، ويهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية، وربما يدفع المنطقة إلى سباق تسلح وصراعات ممتدة.لذلك يبدو أن الهدف هو تغيير السلوك الإيرانى أكثر من تغيير النظام نفسه.
#أما إسرائيل…فالسؤال الذى يشغل الجميع هو: هل حققت أهدافها؟ الإجابة ليست بسيطة. فقد نجحت إسرائيل، بحسب ما أعلنته، فى توجيه ضربات مؤثرة لبعض القدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن إيران ما زالت تمتلك أدوات ردع وقدرات على الاستمرار، كما أن نفوذها الإقليمى لم يختفِ بالكامل.
#وبالتالى فإن الحديث عن حسم كامل يبدو سابقاً لأوانه، لأن كثيراً من المؤشرات توحى بأن الصراع دخل مرحلة استنزاف أكثر من كونه مرحلة حسم.
كما أن نجاح أى عملية عسكرية لا يُقاس فقط بحجم الدمار الذى أحدثته، وإنما بقدرتها على تحقيق أهدافها السياسية. فإذا استمرت حالة الاستنزاف، وبقيت التهديدات المتبادلة، فإن الحديث عن انتصار حاسم يظل محل نقاش، لأن السياسة هى التى تمنح الحرب معناها، وليست القوة العسكرية وحدها.
#وربما يكون ما نشهده اليوم هو انتقال الصراع من مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة إلى مرحلة “الاحتواء طويل الأمد”، حيث لا تسعى القوى الكبرى إلى إسقاط الخصم بالكامل، وإنما إلى إضعاف قدراته، واستنزاف موارده، ومنعه من امتلاك أوراق قوة جديدة. وهو نموذج شهدته أزمات دولية عديدة، لكنه يحمل دائماً خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع إذا أخطأ أحد الأطراف فى تقدير حدود الردع.
ومن هنا يمكن القول إن كثيراً من التقديرات التى توقعت حربا خاطفة انتهت خلال أيام، لم تتحقق.
#فالسيناريو الذى يفرض نفسه اليوم هو صراع طويل منخفض الحدة، تتبادل فيه الأطراف الضربات دون الوصول إلى مواجهة شاملة، مع استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
#أما الأخطر…فهو أن دول الخليج أصبحت تدرك أن أى تصعيد جديد ستكون كلفته الاقتصادية والأمنية باهظة، سواء على الطاقة أو الملاحة أو الاستثمارات.
#ولهذا قد تكون المرحلة المقبلة فرصة حقيقية لتعزيز التنسيق الخليجى، ليس فقط فى المجال الأمنى، وإنما ايضاً فى صياغة رؤية إقليمية مشتركة تمنع تحول المنطقة إلى ساحة صراع دائم.
ولعل دول الخليج العربى أصبحت اليوم أكثر إدراكاً من أى وقت مضى بأن أمنها لا يمكن أن يبقى رهينة لصراعات الآخرين.
#فالتنمية التى تشهدها المنطقة، والمشروعات الاقتصادية العملاقة، والاستثمارات العابرة للقارات، جميعها تحتاج إلى بيئة مستقرة، لا إلى أجواء تتكرر فيها التهديدات العسكرية وإغلاق الممرات البحرية. ومن هنا قد يكون الوقت قد حان لبناء رؤية خليجية أكثر تماسكًا، تُعطى الأولوية للأمن الجماعى والحلول السياسية.
#فالاستقرار لم يعد خياراً سياسياً فقط…بل أصبح ضرورة اقتصادية وتنموية.
وفى قلب هذه المعادلة تبرز مصر باعتبارها الدولة العربية الأكثر قدرة على صناعة التوازن. فهى لا تبحث عن توسيع دائرة الصراع، ولا تنحاز إلى سياسات الاستقطاب، وإنما ترتكز على ثوابت واضحة تقوم على حماية الدولة الوطنية، والحفاظ على استقرار الإقليم، والدفع نحو الحلول السياسية. ومع تعقد المشهد، قد تصبح القاهرة أحد أهم مراكز التوازن التى تحتاجها المنطقة فى المرحلة المقبلة، ليس فقط بحكم موقعها، وإنما بحكم ثقلها السياسى والاستراتيجى.
أما داخل إيران…فإن الضغوط الخارجية غالباً ما تؤدى إلى نتيجتين متناقضتين. فقد تزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لكنها قد تدفع ايضاً قطاعات من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة فى مواجهة التهديد الخارجى.
#ولهذا فإن الرهان على أن الضغوط العسكرية وحدها ستغير الداخل الإيرانى يبقى رهانا معقداً، لأن تجارب المنطقة أثبتت أن التدخلات الخارجية لا تؤدى دائماً إلى النتائج المتوقعة.
وفى المحصلة: ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف أمريكى إيرانى، ولا مجرد مواجهة إسرائيلية إيرانية.
إنه صراع على شكل النظام الإقليمى الجديد فى الشرق الأوسط.
#ويبقى السؤال الذى سيحدد مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة: هل تستطيع القوى الكبرى إدارة الصراع دون أن تنفلت المنطقة إلى حرب أوسع؟ أم أن تراكم الضغوط وسوء تقدير الحسابات قد يقود الجميع إلى مواجهة لم يكن أحد يريدها؟
وبين هذين الاحتمالين، تظل الحاجة إلى مشروع عربى متماسك، تقوده الدول القادرة على الجمع بين القوة والحكمة، أكثر إلحاحاً من أى وقت مضى، حتى يعود الشرق الأوسط من ساحة للصراعات إلى مساحة للاستقرار والتنمية.
#فالتاريخ يعلمنا أن الحروب تبدأ بقرار، لكنها كثيراً ما تنتهى بنتائج لم تكن فى حسابات من أشعلها.





