مقالات

بن سلمان والحوثيون: صراع على حافة الهاوية الاستراتيجية. بقلم د. يسرى حامد

بن سلمان والحوثيون:

صراع على حافة الهاوية الاستراتيجية

 

بقلم د. يسرى حامد

تشهد العلاقات السعودية الحوثية منعطفاً استراتيجياً خطيراً أعاد الصراع إلى واجهة الأحداث الإقليمية والدولية بعد فترة من التهدئة الهشة والمفاوضات غير المعلنة. يأتي هذا التصعيد في ظل تحولات ميدانية متسارعة، سيطر خلالها الحوثيون على مناطق حيوية مثل جزيرة بريم وميناء المخا في باب المندب، بالتزامن مع ضربات مكثفة بالطائرات المسيرة والصواريخ استهدفت عمق منشآت الطاقة والبنية التحتية السعودية.

يقدم هذا المقال تحليلاً لأبعاد المشهد الحالي، خيارات الرياض، وحسابات القوة التي تحكم الصراع.

أولاً: أبعاد التحول في ديناميكية الصراع

من ميليشيا محليّة إلى قوة إقليمية هجومية: لم يعد الحوثيون مجرد تمرد داخلي يسعى لتثبيت مكاسبه في صنعاء وشمال اليمن؛ بل تحولوا إلى قوة عسكرية تمتلك منظومات صواريخ باليستية، كروز، ومسيّرات قادرة على شل حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر ونقل المعركة مباشرة إلى المدن السعودية.

المفاجأة والاستغلال الميداني: كشفت المعارك الأخيرة عن حشد عسكري حوثي ضخم قدرته تقارير استخباراتية بنحو 100 ألف مقاتل. استثمر الحوثيون انقسام وتشتت القوى المناهضة لهم (مثل التباينات بين الحكومة النظامية والمجلس الانتقالي الجنوبي) لتحقيق تقدم خاطف صدم الدوائر السياسية في الرياض.

الارتباط بالمحور الإقليمي: يتحرك الحوثيون ضمن استراتيجية أوسع تدعمها إيران لتخفيف الضغوط الدولية واللوجستية عليها، وتحويل منطقة باب المندب والبحر الأحمر إلى أوراق ضغط استراتيجية ضد الغرب وحلفائه في المنطقة.

ثانياً: الخيارات السعودية المحدودة والمعقدة

تجد المملكة العربية السعودية نفسها اليوم أمام واقع يفرض عليها الموازنة بين الحفاظ على رؤيتها الاقتصادية الطموحة (رؤية 2030) التي تتطلب استقراراً أمنياً شاملاً، وبين ضرورة الرد على التهديدات الحدودية والبحرية المباشرة. وتتلخص خيارات الرياض الحالية في مسارين:

المشهد العربي

1. خيار التصعيد العسكري المضاد (العمليات متعددة الجبهات)

الآلية: تشير التقارير إلى أن السعودية تدرس قيادة عملية عسكرية برية تقودها القوات اليمنية على الأرض، مدعومة بغطاء جوي سعودي مكثف وتنسيق استخباراتي مع واشنطن (التي أرسلت نحو 100 مستشار عسكري). الهدف الأساسي هو تأمين الساحل الغربي وكسر الحصار الحوثي المفروض على الملاحة.

التحديات: هذا الخيار مكلف للغاية ماديّاً وبشريّاً. كما أن الفشل الاستخباراتي الأخير وانقسام الحلفاء الميدانيين يُضعف فرص الحسم السريع، ناهيك عن خطر عودة الصواريخ الحوثية لاستهداف منشآت أرامكو الحيوية.

2. خيار الاحتواء الدبلوماسي وتقديم التنازلات

الآلية: القبول بترتيبات سياسية جديدة، وربما الاستسلام لبعض مطالب الحوثيين المتعلقة بإنهاء القيود على الموانئ والمطارات مقابل ضمان أمن الحدود.

التحديات: هذا المسار يعني إضفاء شرعية كاملة على المكاسب الجغرافية والعسكرية التي حققها الحوثيون، ويجعل من المملكة عرضة لابتزاز مستقبلي مستمر من قِبل جماعة أثبتت عدم التزامها بالاتفاقيات الطويلة الأجل.

ثالثاً: موقف القوى الدولية (محدودية الدعم الغربي)

على الرغم من القلق الدولي من تهديد حركة التجارة العالمية، إلا أن الموقف الغربي يضع قيوداً واضحة أمام الرياض:

واشنطن والدول الأوروبية تبدي عدم رغبة واضحة في الانخراط المباشر في قتال الحوثيين على الأرض.

يقتصر الدعم الأمريكي الحقيقي على تقديم المعلومات الاستخباراتية وتأمين المنشآت الدفاعية، بينما يُترك الجانب العملياتي بالكامل للقوات السعودية واليمنية الحليفة لها.

تؤكد المعطيات الراهنة أن الحرب بين السعودية والحوثيين تجاوزت صيغتها القديمة (2015-2022). الرياض لم تعد قادرة على فرض شروطها من موقع القوة الجوية المطلقة، والحوثيون باتوا يمتلكون أوراق ضغط حقيقية قادرة على إيذاء الاقتصاد السعودي.

الأيام القادمة تبدو مفتوحة على سيناريوهين لا ثالث لهما: إما انفجار مواجهة عسكرية واسعة النطاق على طول الساحل الغربي لليمن لتأمين البحر الأحمر، أو صياغة اتفاق اضطراري جديد يعيد رسم التوازنات الإقليمية، ويدمج الحوثيين كطرف سياسي وعسكري مهيمن في الجغرافيا اليمنية المتاخمة للحدود السعودية.

زر الذهاب إلى الأعلى