حصة إضافية
بقلم / محمد سعد شاهين
في العاشرة من تلك الليلة كان الأستاذ محمود عبد الباقي يقود سيارته الأجرة عبر الكورنيش ، والمرآة الداخلية تعكس وجهًا لم يعتده بعد. كان في الثامنة والخمسين، قضى منها ثلاثين عامًا يقف أمام السبورة يشرح للطلاب كيف قامت الدول وكيف سقطت. أما الآن فيحمل على كتفيه سقوطًا من نوع آخر: راتب لا يكفي لشراء أدويته.
أوقفه شاب يخرج من حفل أنيق، في الثلاثين تقريبًا، بدلته داكنة وساعته تلمع تحت أضواء الشارع. جلس في المقعد الخلفي وقال دون أن يرفع عينيه عن هاتفه:
_ وسط البلد لو سمحت
ارتجفت يد الأستاذ محمود على المقود . صوت غليظ استقر على نبرة واثقة، صوت صبي في الصف الأخير كان يتهجى كلمة (محمد علي) بصعوبة.
عرفه من الجملة الأولى. كان أستاذ(محمود) يمتلك ذاكرة حديدية ، تميز بها في مدرسته.
عادل سليمان، التلميذ الذي رسب في التاريخ مرة ، وهجر المقعد ثلاثة أشهر لأن أباه أخرجه ليعمل في ورشة. هو من ذهب إليه في بيته ليعيده إلى المدرسة، وهو من دفع له رسوم الامتحان من جيبه دون أن يخبر أحدًا، ثم أمضى معه الشتاء كله بعد الحصص يشرح له ما فاته رغم ضعف مستواه الدراسي ، لكنه كان يشعر بأنه يريد أن يتعلم ، أن يعرف ..
شدّ الأستاذ محمود قبعته الصوفية إلى جبينه وتظاهر بالتركيز في الطريق. كان يعرف أن لا شيء في هيئته يدل عليه: الإنارة خافتة، واللحية بيضاء حديثة، والسنوات تكفلت بالباقي.
أنهى الراكب مكالمته ، ثم تنهد وقال:
_ تعرف يا حاج؟ هذه الليلة بالذات كنت أتمنى لو أن أحدًا من أساتذتي رآني فيها. كنت تلميذًا فاشلًا لا يصلح لشيء، وكان لي مدرس واحد فقط لم ييأس مني.
لم يرد الأستاذ محمود. انزلقت السيارة فوق الجسر، والنيل تحتهما أسود يعكس أضواء المدينة.
_كان يقول لنا دائمًا: التاريخ ليس ما حدث، بل ما قرر الناس ألا ينسوه. لم أفهم الجملة وقتها. فهمتها بعد خمسة عشر عامًا .
كانت الكلمات تقع على ظهر الأستاذ محمود كأنها أحجار صغيرة. ويتساءل: هل عرفه؟
أراد أن يتكلم، أن يقول إنه هنا، على بعد شبر. لكن صفة الكبرياء التي لم يملك غيرها طوال هذه السنوات شدّت لسانه.
وصلا. توقفت السيارة أمام عمارة قديمة ، فتح الراكب حافظته وأخرج ورقة كبيرة. وحين همّ بالنزول قال الأستاذ محمود بصوت خرج منه رغمًا عنه، بالنبرة نفسها التي ظل ثلاثين عامًا يختم بها كل حصة:
_ أغلق الباب جيدًا يا بني، فالتاريخ يحب التخفي.
تجمّد الشاب في مكانه، ويده على المقبض.
استدار ببطء، ونظر في المرآة، ثم إلى الوجه تحت القبعة. ظل صامتًا طويلًا حتى بدا أن السنوات كلها تمر بين عينيه. ثم همس:
_ أستاذ محمود؟
نزل عادل وفتح بابه، وانحنى حتى صار وجهه أمام وجه معلمه.
_لماذا لم تقل؟ كنت أتكلم طوال الطريق عن رجل لا أعرف أنه يسمعني.
_وماذا كنت سأقول؟ ما أنا إلا رجل يوصلك حيث تريد.
مدّ عادل يده بالنقود ، وكانت بضع مئات من الجنيهات تفوق حساب الليلة كلها.
نظر إليها الأستاذ محمود، ثم إلى يد تلميذه التي كانت يومًا صغيرة ترتجف حين تمسك بالطباشير، وقال:
_العداد يقول خمسة وثمانين جنيهًا.
_يا أستاذ….
_خمسة وثمانون.
ناوله عادل المبلغ ببطء ، فأدار المحرك وابتعد .
وقف في الشارع الخالي يراقب السيارة ، ولم يلتفت الأستاذ محمود إلى المرآة ليراه. لكنه عرف أن عادل ما زال واقفًا هناك.
حين توقف عند أول إشارة حمراء، رفع يده ولمس قلبه. كان يؤلمه كلما شعر بتوتر ، ثم نظر إلى المقعد الخلفي الفارغ، حيث ما زال عطر الراكب عالقًا في الهواء، وقال بصوت مسموع لأحد لا يراه:
_ الحصة انتهت.
ثم انطلق، ببطء، نحو زبون آخر .








