رسول الله بعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد أذن الله تعالى لنبيه وأصحابه بالهجرة لما ضاقت عليهم الأرض ومنعتهم قريش من إقامة دين الله، وإن الهجرة بالمعنى الشرعي ليست مجرد الإنتقال من بلد إلى آخر فحسب بل هي هجرة عامة عن كل ما نهى عنه الله ورسوله المصطفي صلى الله عليه وسلم حتى يكون الدين كله لله، فبعد سنوات من الإضطهاد والإبتلاء قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة يهيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة ويقذف الإيمان في قلوب الأنصار، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين، وإن طريق الدعوة إلى الله شاق محفوف بالمكاره والأذى، ولقد كانت رحلة الهجرة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس، فالسيوف تحاصره عليه الصلاة والسلام في بيته وليس بينه وبينها إلا الباب والمطاردون يقفون أمامه على مدخل الغار، وسراقة الفارس المدجج بالسلاح يدنو منه حتى يسمع قراءته، والرسول صلى الله عليه وسلم في ظل هذه الظروف العصيبة.
متوكل على ربه واثق من نصره، فمهما اشتدت الكروب ومهما ادلهمت الخطوب يبقى المؤمن متوكلا على ربه واثقا بنصره لأوليائه، فهل رأيتم رجلا أعزلا محاصرا يخرج إلى المجرمين ويخترق صفوفهم فلا يرونه ويذر التراب على رؤوسهم ويمضي وهل رأيتم عنكبوتا تنسج خيوطها على باب الغار في ساعات معدودة، وهل رأيتم فريقا من المجرمين يصعدون الجبل ويقفون على الباب فلا يطأطيء أحدهم رأسه لينظر في الغار، وهل رأيتم فرس سراقة تمشي في أرض صلبه فتسيخ قدماها في الأرض وكأنما هي تسير في الطين، وهل رأيتم شاة أم معبد الهزيلة يتفجر ضرعها باللبن، فإن هذه المعجزات لهي من أعظم دلائل قدرة الله تعالى وإذا أراد الله نصر المؤمنين خرق القوانين وقلب الموازين فسبحانه القائل “إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون” وقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم ” لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ”
وإن هذا الحب هو الذي أبكى أبا بكر فرحا بصحبته صلى الله عليه وسلم وإن هذا الحب هو الذي جعل أبا بكر يقاوم السم وهو يسري في جسده يوم أن لدغ في الغار لأن الحبيب ينام على رجله، وإن هذا الحب هو الذي أرخص عند أبي بكر الصديق كل ماله ليؤثر به الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم على أهله ونفسه، وإن هذا الحب هو الذي أخرج الأنصار من المدينة كل يوم في أيام حارة ينتظرون قدومه صلى الله عليه وسلم على أحر من الجمر، ولقد سطر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صفحات مشرقة من التضحية والمغامرة بالأنفس والأموال لنصرة هذا الدين، ولقد هاجروا لله ولم يتعللوا بالعيال ولا بقلة المال فلم يكن للدنيا بأسرها أدنى قيمة عندهم في مقابل أمر الله وأمر ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيوم أن بات علي في فراشه صلى الله عليه وسلم وغطى رأسه كان يعلم أن سيوف الحاقدين تتبادر إلى ضرب صاحب الفراش.
ويوم أن قام آل أبي بكر عبدالله وأسماء وعائشة ومولاه عامر بهذه الأدوار البطولية كانوا يعلمون أن مجرد اكتشافهم قد يودي بحياتهم، ولقد كان صلى الله عليه وسلم متوكلا على ربه واثقا بنصره يعلم أن الله كافيه وحسبه ومع هذا كله لم يكن صلى الله عليه وسلم بالمتهاون المتواكل الذي يأتي الأمور على غير وجهها، بل إنه أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية وإتقان، فالقائد محمد صلي الله عليه وسلم والمساعد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والفدائي هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه والتموين هي السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها والاستخبارات هو عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنه، والتغطية وتعمية العدو هو عامر بن أبي فهيرة، ودليل الرحلة هو عبدالله بن أريقط والمكان المؤقت هو غار ثور، وموعد الانطلاق، بعد ثلاثة أيام وخط السير هو الطريق الساحلي، وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم.
وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولا وآخرا، ولقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ” إنه ليس أحد أمنّ علي في نفسه وماله من أبي بكر ” فقد كان أبو بكر ” الذي يؤتي ماله يتزكى” وينفق أمواله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الدعوة إلى دين الله، ولكن هناك سؤال هام وهو لماذا رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الراحلة من أبي بكر الصديق إلا بالثمن ؟ فقال بعض العلماء إن الهجرة عمل تعبدي فأراد عليه الصلاة والسلام أن يحقق الإخلاص بأن تكون نفقة هجرته خالصة من ماله دون غيره، وهذا معنى حسن وهو درس في الإخلاص وتكميل أعمال القرب التي تفتقر إلى النفقة كنفقة الحج وزكاة الفطر وغيرها من الأعمال، فإن الأولى أن تكون نفقتها من مال المسلم خاصة.








