مبارك… تاريخُ قائدٍ في مسيرة أمة
بقلم: حسين عبيد
كاتب صحفي وباحث قانوني واقتصادي
في صفحات التاريخ المصري رموز وطنية شكّلت حقبة تاريخية في مسيرة أم الدنيا، وتركت بصماتها في ذاكرة الوطن، رجال ارتبطت أسماؤهم بمحطات فارقة في تاريخ مصر، وكان لهم دور في صياغة ملامح مرحلة من مراحلها.
ومن بين هذه الرموز يأتي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، صاحب الضربة الجوية الأولى في حرب أكتوبر المجيدة، وأحد أبرز القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بنصر أكتوبر واستعادة الكرامة المصرية، ذلك النصر الذي أثبت للعالم أن إرادة المصريين قادرة على تجاوز الصعاب وصناعة المستحيل.
لقد كانت حرب أكتوبر ملحمة وطنية خالدة، سطّر فيها الجيش المصري صفحات من البطولة والتضحية، وكان مبارك، بصفته قائد القوات الجوية آنذاك، أحد المشاركين في صناعة هذا الإنجاز التاريخي الذي سيظل علامة مضيئة في سجل العسكرية المصرية.
ولم تتوقف مسيرة استعادة الأرض عند ميادين القتال، بل امتدت إلى ساحات التفاوض والقانون والدبلوماسية، حتى عادت طابا المصرية إلى السيادة الوطنية عام 1989، لتكتمل صفحة مهمة من صفحات استرداد الأرض المصرية، وتؤكد أن الحقوق الوطنية لا تضيع ما دام هناك إصرار على الدفاع عنها بالوسائل المشروعة.
لقد تولّى حسني مبارك زمام القيادة في مرحلة شديدة الصعوبة والتعقيد، في منطقة تموج بالصراعات والتحولات، وكانت مصر تواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة. وخلال سنوات حكمه، سعت الدولة إلى الحفاظ على استقرارها، ومواصلة مسيرة البناء والتنمية، وإقامة المدن الجديدة، ومنها العاشر من رمضان والعبور والشروق وغيرها، في إطار التوسع العمراني والصناعي ومحاولات تخفيف الضغط عن الوادي الضيق.
وشهدت تلك المرحلة مشروعات في البنية الأساسية والنقل والإسكان، إلى جانب جهود تنموية ارتبطت بطموحات الدولة المصرية في تحقيق التنمية الاقتصادية وتوسيع نطاق العمران. وكما هي طبيعة التجارب الممتدة، فقد حققت بعض هذه المشروعات أهدافًا، بينما ظلت تحديات أخرى قائمة، وظلت نتائج السياسات الاقتصادية والاجتماعية موضع نقاش وتقييم.
إن التاريخ لا يكتب سيرة الرجال بلون واحد، ولا يمنح أحدًا صكًا دائمًا بالصواب، كما لا يمحو كل ما قدمه شخص بسبب أخطاء ارتبطت بتجربته. فلكل مرحلة ظروفها، ولكل قيادة قراراتها ونتائجها، ولكل تجربة ما لها وما عليها.
وقد شهدت سنوات حكم مبارك جوانب مختلفة من الحياة المصرية، بين محطات وطنية يعتز بها المصريون، وتحديات سياسية واقتصادية واجتماعية أثارت انتقادات واسعة، حتى وصلت البلاد إلى أحداث الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وانتهى حكمه في الحادي عشر من فبراير من العام نفسه.
وهنا تبرز أهمية القراءة الموضوعية للتاريخ؛ فلا الإنصاف يعني إغفال الأخطاء، ولا الموضوعية تعني إنكار الإنجازات. إنما تعني أن نضع كل حدث في سياقه، وأن نمنح الوقائع حقها، وأن نترك للأجيال فرصة فهم الماضي بعيدًا عن المبالغة أو التجريح.
إن حسني مبارك، بما ارتبط باسمه من دور عسكري في حرب أكتوبر، وما شهدته فترة حكمه من أحداث وتحولات ومشروعات، سيظل واحدًا من الشخصيات التي تستحق الدراسة في سياق التاريخ المصري الحديث. وستظل تجربته مجالًا للبحث والنقاش، بما تحمله من دروس تتعلق بالقيادة، ومسؤولية الحكم، وعلاقة الاستقرار بالتنمية، وضرورة الاستجابة لتطلعات المواطنين.
فالأوطان لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، ولا تتوقف مسيرتها برحيل قائد أو انتهاء عهد، وإنما تبنيها إرادة شعب، ومؤسسات قوية، وعدالة تحفظ الحقوق، وتنمية تضع الإنسان في قلب أولوياتها.
واليوم، يذكر التاريخ حسني مبارك؛ له ما له، وعليه ما عليه، وهذه هي طبائع الأمور. لكن الحقيقة الثابتة أنه أحد رموز المرحلة التي عاشتها مصر، وأن اسمه سيبقى حاضرًا في صفحات تاريخها، بما ارتبط به من محطات وطنية وتحولات سياسية وتجارب تستحق أن تُقرأ وتُفهم وتُقيَّم.
فتاريخ مصر أكبر من أن يُختزل في شخص، وأعظم من أن يُمحى منه دور أحد، ومصر التي صنعت نصر أكتوبر واستعادت أرضها قادرة دائمًا على صناعة مستقبلها، برجالها وشعبها ومؤسساتها، وبإرادة وطن لا ينحني أمام التحديات.
حفظ الله مصر، وجعل تاريخها دائمًا سجلًا للعزة والكرامة، وعنوانًا لإرادة شعب يعرف قيمة وطنه، ويؤمن بأن المستقبل يُصنع بالعمل والوعي والعدل.








