من حوار العقول الى حروب المواقف السياسة بين السؤال المشترك وغواية اليقين ..
من حوار العقول الى حروب المواقف
السياسة بين السؤال المشترك وغواية اليقين ..
بقلم / دعاء هزاع الجابري – اليمن
في عالم تتكاثر فيه الأصوات وتتناقص فيه القدرة على الإصغاء يبدو الحوار السياسي أشبه بمرآة مشروخة تعكس صورا متنافرة لذوات متيقنة لكنها عاجزة عن اللقاء ، فكل طرف يتكئ على حقيقة يراها مكتملة ويخاطب الآخر لا بوصفه شريكا في التفكير بل خصما في معركة الرموز والمواقف الفكرية ، ليصبح الكلام بذلك وفيرا والفهم نادرا ، وتتحول السياسة من مساحة للسؤال المشترك إلى حلبة للصدام المستمر
فحين نطل على مشهد الحوارات السياسية في عالمنا المعاصر ، نشعر وكأننا نقف أمام ساحة تعج بالأصوات لكنها تفتقر إلى الصدى ، من كلمات تتقاطع ، وشعارات تتصادم ، وخطابات تتزاحم دون أن تترك في الوعي أثر لقاء حقيقي ، فلا حوار مثقل بالنضج هنا بل مبارزات لفظية ومعارك فكرية ، حيث لا يسعى أحد إلى الفهم بقدر ما يسعى إلى الانتصار ، ولا ينصت الصوت للصوت لأن كل صوت مشغول بتضخيم ذاته ، ليبدو بذلك وكأن كل فرد يدخل هذا الفضاء وهو محصن بيقين صلب وكأن الحقيقة ولدت معه واكتملت عنده ، دون مجال للشك لأن الشك يعد علامة ضعف ، ولا مكان للسؤال لأن السؤال يفسر بوصفه تخليا أو خيانة ، ولا قيمة للتراجع لأنه يرى سقوطا لا نضجا ، فتتحول بذلك القناعات إلى قلاع مغلقة يرفع فوقها علم ” الحق المطلق ” ويمنع الاقتراب منها إلا على هيئة تأييد
ومن هنا من هذا المناخ تحديدا ، يفقد الحوار معناه الأصيل بوصفه رحلة مشتركة نحو الفهم ، ويتحول إلى فعل دفاعي محض غايته حماية الهوية الفكرية لا توسيع أفقها ، فلا تطرح الفكرة لتختبر بل لتفرض ، ولا يقدم الرأي باعتباره احتمالا قابلا للمراجعة بل حكما نهائيا واجب النفاذ ، حتى يتراجع العقل خطوة إلى الخلف ويتقدم الخوف ، الخوف من فقدان الموقع ، من اهتزاز الصورة ، ومن الاعتراف بأن ما نحمله ليس يقينا بل بناء هشا قابلا للتصدع ، فغالبا ما تقوم جدالاتنا السياسية على تراكم كثيف من المسلمات غير المفحوصة وعلى إرث ثقيل من الانحيازات الموروثة التي تسكننا أكثر مما نسكنها ، نتحرك داخل دوائرها المغلقة ونعيد إنتاج الأسئلة ذاتها ونكتفي بالإجابات في تكرارها ، وكأن الزمن لا يمر والواقع لا يتغير ، حتى اننا نكتفي بسطح الأفكار ، لأن النزول إلى العمق يتطلب شجاعة لا نملكها دائما ، شجاعة مساءلة الذات لا الآخر فقط
فالمشكلة في جوهرها ليست في تعدد الآراء ولا في تناقضها بل في غياب الرغبة الصادقة في مساءلتها ، لان المشكلة تكمن في أننا لا نريد أن نعرف لماذا نفكر كما نفكر ، ولا كيف تشكلت أفكارنا تلك ، ولا أي مصالح أو مخاوف أو تجارب دفعتها إلى الواجهة منذ ولادتها بنا ، فنفضل الجاهز على المتعب ، والشعار على التحليل ، والاصطفاف على الفهم ، وحين يغيب التأمل تتقدم الغريزة ، يصمت العقل ، ويتكلم الانفعال ، فنستحضر منطق ” العين بالعين والسن بالسن ” بوصفه قانونا غير مكتوب لإدارة الخلاف ، وكأن الاختلاف جريمة تستدعي العقاب لا فرصة تستدعي الفهم ، ليتحول الآخر حينها إلى خصم وجودي لا إلى شريك في السؤال ، وتختزل السياسة إلى معركة صفرية ” إما أنا أو هو ، إما فكرتي أو العدم ” ، وعند هذه النقطة تفقد السياسة معناها بوصفها فن التدبير المشترك ، وتتحول إلى ساحة استقطاب حاد تقاس فيها الأفكار بقدرتها على الحشد لا بعمقها ، وبقوة صوتها لا بصدقها ، حتى يصبح الانتصار للفكرة أهم من اختبارها ، وعلو النبرة أسبق من قوة الحجة ، ويغدو الغضب بديلا عن التفكير
وفي خضم هذا كله ، يتآكل جوهر الإنسان المفكر ، ذلك الكائن القادر على الدهشة ، على التردد الخلاق وعلى الوقوف في المسافة بين اليقين والشك ، ليحل محله قالب جاهز محفوظ العبارات ومفرغ من التساؤل ومثقل باليقين ، لنبدو متشابهين في لغتنا ، متطابقين في شعاراتنا ، لكننا متنافرون في وعينا في ذات الوقت ، نردد كلمات كبيرة عن الحرية والحق والعدالة بينما نعجز عن ممارسة أبسط تجلياتها في الإصغاء الصادق والاعتراف بإمكانية الخطأ وقبول هشاشتنا المعرفية بوصفها جزءا من إنسانيتنا لا عيبا فيها
إن أخطر ما نواجهه في هذا المسير ليس الجهل بوصفه نقصا في المعرفة بل الجهل المتنكر في هيئة يقين ، ذلك الجهل الذي لا يسأل لأنه يظن أنه يعرف ، ولا يصغي لأنه يخشى أن يسمع ما يزعزع طمأنينته ، جهل يرى في الحوار مجرد وسيلة لإعادة إنتاج ذاته لا أداة لاكتشاف ما يتجاوزها ، لنمضي هكذا من جدال إلى آخر لا لنقترب من الحقيقة بل لنبتعد عنها أكثر فأكثر ، باحثين عن مراس مؤقتة تطمئن غرورنا حتى لو كانت على شاطئ الوهم ، غير ان الحوار الحقيقي لا يبدأ حين نمتلك الأجوبة بل حين نجرؤ على الوقوف في منطقة الأسئلة ، تلك المنطقة القلقة الغير مريحة حيث لا شيء مكتملا ولا شيء نهائيا ، حين ندرك أن السياسة في جوهرها العميق ليست مجرد صراع إرادات أو تنافس مصالح بل اختبار أخلاقي للوعي ، ومرآة لمدى قدرتنا على العيش مع الاختلاف دون أن نلغيه أو نلغى فيه ، فالاختلاف ليس خللا في النظام بل شرطا لوجوده ، وبقدر ما نسمح للعقل أن يتأمل وللرأي أن يتواضع وللإنسان أن يعترف بحدوده ، يصبح الحوار ممكنا وتغدو الحقيقة أقرب ، لا لأنها أمسكت أو امتلكت بل لأنها طلبت بصدق ، وسعي إليها بتواضع ، واحترمت بوصفها أفقا مفتوحا لا غنيمة نهائية .






