صدى مصرمقالات

 من هرمز إلى باب المندب. هل تحاصر إيران العالم من المضيقين؟.

 من هرمز إلى باب المندب… هل تحاصر إيران العالم من المضيقين؟

 

 بقلم دكتور/ طارق هلال

ماذا يحدث عندما تصبح أهم الممرات البحرية في العالم جزءاً من الصراع؟

السؤال لم يعد افتراضياً. فبينما يعيش مضيق هرمز واحدة من أخطر أزماته، جاءت التطورات المتسارعة في اليمن لتضع مضيق باب المندب في قلب المعادلة، بعدما سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ثم امتد تقدمهم إلى جزيرة ميون «بريم» الواقعة داخل باب المندب، وسط تقارير عن توسع سيطرتهم على الساحل اليمني للبحر الأحمر.

هنا تتغير طبيعة المشهد. فنحن لا نتحدث فقط عن جولة جديدة في الحرب اليمنية، وإنما عن ممر بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. أي أن ما يحدث على الساحل اليمني يمكن أن يمتد تأثيره إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا، وإلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

والأخطر أن باب المندب يأتي في اللحظة التي يتعرض فيها مضيق هرمز لضغط غير مسبوق. هرمز هو البوابة البحرية للخليج، وباب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. وبينهما تتشكل اليوم معادلة شديدة الحساسية: اضطراب في هرمز من جهة، وتهديد لباب المندب من الجهة الأخرى.

فهل نحن أمام مصادفة فرضتها تطورات الحرب؟ أم أمام توظيف متزامن للمضيقين كورقة ضغط على العالم؟ هذا هو السؤال الذي يستحق التوقف أمامه.

إيران تدعم الحوثيين عسكرياً وسياسياً منذ سنوات، والعلاقة بين الطرفين لم تعد سراً. لكن الحوثيين ليسوا مجرد أداة بلا إرادة، فلديهم حساباتهم وأجندتهم المحلية. ولذلك فإن القراءة الأكثر دقة ليست أن كل قرار حوثي يصدر من طهران، وإنما أن الدعم الإيراني منح الحوثيين قدرة أكبر على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط إقليمية ودولية.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: هل يمكن أن تكون السيطرة على المواقع المطلة على باب المندب جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع للضغط على الولايات المتحدة والغرب، خصوصاً في ظل أزمة هرمز؟

لا نستطيع الجزم بوجود قرار إيراني معلن بإغلاق باب المندب، لكن تزامن الأحداث يفرض السؤال. فحين يكون هرمز تحت ضغط مباشر، وباب المندب مهدداً من قوة ترتبط بطهران ارتباطاً وثيقاً، فإن العالم أمام معادلة جديدة في أمن الطاقة والتجارة. وليس المطلوب حتى إغلاق المضيقين رسمياً، ففي الحروب الحديثة يكفي أن تصبح الملاحة عالية المخاطر حتى تبدأ النتائج: تأمين أعلى، طرق بديلة، زمن أطول، وتكلفة أكبر.

وقد شهد البحر الأحمر بالفعل تحول سفن كثيرة إلى طريق رأس الرجاء الصالح خلال موجات التصعيد السابقة، بما رفع تكاليف النقل وأطال زمن الرحلات. ومع التطورات الأخيرة، يزداد المشهد تعقيداً، خصوصاً مع انتقال الضغط من البحر إلى البر داخل السعودية، حيث عادت نجران إلى دائرة الاستهداف ضمن موجات التصعيد. وهنا لا يعود الخطر محصوراً في السفن والمضائق، وإنما يمتد إلى أمن المدن والمنشآت ومسارات الطاقة، بما يرفع كلفة التأمين والاستقرار في المنطقة بأكملها.

وهنا تدخل مصر مباشرة في قلب المشهد. فأمن البحر الأحمر جزء من الأمن القومي المصري، لأن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية التي تمر عبرها حركة الملاحة المتجهة إلى قناة السويس. والقناة لا تحتاج إلى أن تتعرض لهجوم حتى تتأثر؛ يكفي أن تصبح الملاحة في البحر الأحمر أكثر خطورة، أو أن تختار شركات النقل طرقاً بديلة، حتى تتأثر حركة التجارة والإيرادات.

وهذا هو الفارق بين النظر إلى ما يحدث باعتباره أزمة يمنية، وبين فهمه باعتباره أزمة في منظومة التجارة العالمية.

كما أن البحر الأحمر لا يخص اليمن ومصر والسعودية وحدها. فهناك السودان وإريتريا وجيبوتي والصومال، وهناك القرن الأفريقي الذي أصبح ساحة تنافس دولي متزايد على الموانئ والقواعد والنفوذ. ومن يملك القدرة على التأثير في باب المندب يمتلك ورقة في واحدة من أهم نقاط الاتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتزداد خطورة المشهد مع اعتماد السعودية بدرجة أكبر على مسارات البحر الأحمر لتصدير النفط في ظل اضطراب هرمز، الأمر الذي يجعل أي تهديد لباب المندب أكثر تأثيراً في معادلة الطاقة الإقليمية والعالمية. وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته «معادلة المضيقين»: هرمز للطاقة، وباب المندب للتجارة والطاقة.

وإذا تعرض الممران للاضطراب في الوقت نفسه، فلن تتوقف الفاتورة عند الدول المتشاطئة، فقد ترتفع أسعار النفط، وتكاليف النقل والتأمين، وتتأخر سلاسل الإمداد، وتنتقل كلفة الصراع إلى اقتصادات بعيدة آلاف الكيلومترات عن المنطقة.

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: هل ننتظر دائماً حتى تبدأ الأزمة، ثم نبحث عن طريقة لإطفائها؟ أم نبني قدرة تمنع الأزمة قبل أن تصل إلى مصالحنا؟

ربما حان الوقت لإعادة التفكير جدياً في مفهوم الأمن العربي المشترك، بعيداً عن الشعارات. قد يكون «الجيش العربي الموحد» مشروعاً استراتيجياً كبيراً يحتاج إلى توافقات سياسية وعسكرية معقدة، لكن هناك خطوة أكثر واقعية يمكن البدء بها: منظومة أمن بحري عربية مشتركة، تقوم على تبادل المعلومات والاستخبارات، والمراقبة والاستطلاع، والإنذار المبكر، وتأمين الموانئ وخطوط الملاحة، والتنسيق بين القوات البحرية والتدريب المشترك.

هذه ليست دعوة إلى الحرب، وإنما إلى امتلاك القدرة على منع الآخرين من تحويل الجغرافيا العربية إلى ورقة ضغط على العالم. فالقوة الحقيقية ليست أن تبحث عن المعركة، وإنما أن تمتلك ما يجعل الآخرين يفكرون كثيراً قبل أن يفرضوها عليك.

والأمر في النهاية لا يتعلق بالحوثيين وحدهم، ولا بإيران وحدها، وإنما بمستقبل البحر الأحمر كله. فإذا تحول باب المندب إلى نسخة أخرى من هرمز، فلن نواجه أزمة أمنية فقط، بل ضغوطاً إضافية على الطاقة والتجارة والاقتصادات العربية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى توجيه مواردها نحو التنمية والاستثمار وإعادة البناء.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي مختلفاً: هل ستسمح المنطقة بأن تتحول كل محاولة للنهوض إلى أزمة جديدة تعيدها إلى مربع الصراع؟

لأن العالم يعيد ترتيب موازين القوة، والدول التي لا تحمي مصالحها وممراتها الحيوية ستجد نفسها مضطرة إلى دفع ثمن قرارات يتخذها الآخرون.

ومن هرمز إلى باب المندب، تبدو الرسالة واضحة: الأمن البحري لم يعد ملفاً عسكرياً فقط، بل أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي للدولة.

ومصر تحديداً لا تستطيع أن تنظر إلى باب المندب باعتباره نقطة بعيدة على الخريطة. فكل اضطراب هناك يمكن أن تكون له كلفة هنا.

ولذلك فإن حماية البحر الأحمر ليست مسؤولية دولة واحدة، وإنما مسؤولية الدول المشاطئة والدول العربية، بالتنسيق مع المجتمع الدولي، لحماية واحد من أهم شرايين التجارة العالمية.

وربما يكون ما يحدث اليوم فرصة لإعادة بناء مفهوم عربي جديد للأمن، مفهوم لا يبدأ بالحرب وإنما بالردع، ولا يقوم على رد الفعل وإنما على الاستباق.

فإذا كان الآخرون يستطيعون استخدام المضائق العربية للضغط على العالم، فقد حان الوقت لأن نمتلك نحن القدرة على حماية مضائقنا، وممراتنا، ومصالحنا، ومستقبلنا.

لأن المعركة الحقيقية ليست فقط على باب المندب أو هرمز… وإنما على حق هذه المنطقة في أن تنعم بالأمن، وتبني اقتصادها، وتنهض دون أن تستدرج كل مرة إلى أزمة جديدة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى